العودة الى زمن البداية

لا تفكر الآن في شيء، لأنه إن حصل التفكير، ستصبح أحمقا، يتكهن بماض ليس له، دع الحياة تأتي كما أرادت، ألا يقولون بأن القدر مكتوب في لوح محفوظ؟ إذن دعه وشأنه، هو الحاكم، وأنت المنفذ؛ وقفت أمام المسجد الذي كنت أصلي فيه، في ذلك الزمان، من قال بأني سأغادر المكان، والزمان إلى لا مكان، ولا زمان، وأنا على نظرتي هذه، أتذكر عدد الركعات، والسجود التي أديتها هنا، صورة تمر أمامي، وأقول لنفسي انظر جيدا، وأعد النظر، فإن النظر نظرات، وقل إنك غريب في مدينتك، سقطت دموعي، من دون أن أشعر بها، هل لأن الحنين إلى الماضي يناديني، أم أنها أرادت السقوط، لتبرهن أنها تريد العودة إلى كما قبل هذا الزمان؟ أصغي إليها، وهي تحدثني، وتقول لي: عش الآن، وابتسم قبل أن يغدر بك الزمان مرة أخرى، وتصبح من النادمين، قلت لها: نعم سأكون من هذه اللحظة رسول الضحك.

المكان المحطة، الزمان الواحدة زوالا، الهدف الخروج من الظلمات إلى النور. نحن الآن في مدينة، هي المهد الذي ولدت فيها، قبل أن أغادر عن طواعية، لم يرغمني أحد على فعل ذلك، لأني كنت أحلم بالهدوء، والتأمل في الطبيعة الخضراء، دون كلل أو ملل، كنت أحب أن أعيش حياة الغربيين عند تقاعدهم من العمل، وذلك ما كان، لا أريد أن أحكي قصتي لأنها لا تستحق أن تروى، وأنا جالس الآن، وأخاطب نفسي سائلا إياها: ما الذي سأكتبه؟ لأنه ببساطة لا يوجد ما يكتب! أأكتب عن شاب كان طفلا يائسا من حياته، قبل أن يعرف معناها، أم إنسان يريد أن يغادرها في أقرب الآجيال، أم إنسان يسير سير الظل  في الطريق؟ لا بد أن أعرف ماذا تخفيه الأيام القادمة لي، سأجن إن لم أعرف، أو سأعيش مثل الأحمق الذي يبحت عن الحقيقة الضائعة بين حشائش الأرض؛ لا ريح جاءت لتأخذها، ولا ماء جلبها إليه لتسير معه إلى الوادي الصامت.

وقفت بجانب الطريق، لأراها، من هي؟  نفسي تكلمني بكل هدوء.

 هي معلمتي التي درست عندها، وقفت، وقفت حائرا أمام الزمن، وكيف يفعل بالإنسان، وقفت أعيد الذكريات إلى الوراء، ذلك الماضي البعيد، شعرت بأن الزمان توقف بدون حراك، حتى الذين حولي صاروا من الجماد، ما أجمل أن يقف الكل ليتذكر معك ماضيك، الذي عشته بمفردك، دون هؤلاء، الذين هم معك ينظرون إلى فترة طفولتك، أشعر بالسعادة، وأنا في هذ المكان، هنا وقفت أنا وصديقي “أمين” أشير بأصبعي، نعم هنا المكان، لكن الزمان ليس هو، والناس ليسوا هم، الكل تغير، أنظر إلى المارة، وأمعن النظر، لعلي أرى شخصا من الزمان الغائب، ولكن يخيب أملي في الحياة، وأنشد مقاله الشاعر “تعب كلها الحياة”. صدقت، التعب، الرحيل، والنشاط، لنكتب تاريخا لإنسان يشبه الإنسان، تاريخا يحكي للآخرين بدون ألم.

فوق هذه الأرض يحيى أناس يتألمون مثلنا بأسماء أخرى، دون أن نعرفهم.

حينما تغادر مدينتك إلى مدينة أخرى، حتما ستتعلم كيف تنظر في السماء، لترى النجم، والقمر، الشمس، لتعرف بأن الكون سنته عدم الثبات، الحركة اللامنتهية، الدائمة في الأزل،  عجيبة هي الحياة، والعجيب فيها، الإنسان الذي لا يستطيع أن يصبر على فراق الأحبة لأمتار قليلة، صراحة صراحة عندما تغادرهم وتعيش بعيدا عنهم، تحس بأنك مهاجر في بلادك، الكل ينام في جنح الليل، لكن لا أحد يستيقظ على وقع حلم ذكره بأصدقائه الذي دفنهم النسيان في ذاكرة ضيقة لا تحمل إلا آثار ما بعد الذاكرة.

في الصباح أفتح النافذة، وأجد الكل نائما، ناموا، وقولوا الحمد لله الذي هدانا لهذا، فلولاه ما كنا لننام، ليل مظلم، ونهار أشبه بالليل مع غياب ضوء النجوم، ونباح الكلاب.

كلما فتحت كتابي تذكرت الأيام السوداء التي عشتها في الماضي، وأبتسم؛ كم كنت أحمقا، لأني كنت أريد أن أعانق جناح الطير الذي كان في بيتنا، كنت آنذاك قصير القامة لا أستطيع أن ألمسه بيدي، فكنت أتمنى لو كنت طويل القامة للمسته، لكي أسمع من نغماته التي كانت تطربني.

قضية المرأة.. نظرة وسطية (المغرب نموذجا)

يُثار على الساحة السياسية والثقافية والدينية بقوة موضوع المرأة، وخاصة بعد أن تم إقرار مبدأ المناصفة في الدستور الجديد. ويتنازع اليوم قضية المرأة تياران متضادان متطرفان بعيدان كل البعد عن تعاليم الإسلام السمحة الوسطية المعتدلة التي أتت بالخير للبشرية عامة وللمرأة خاصة..

من الحقائق البديهية في الإسلام أن المرأة كائن إنساني، له روح إنسانية كالرجل. (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء). فهي إذن الوحدة الكاملة في الأصل والمنشأ والمصير (فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض)، والمساواة الكاملة في الكيان، تترتب عليها كل الحقوق المتصلة مباشرة بهذا الكيان..

بعد هذه التوطئة القصيرة عن مكانة المرأة في الإسلام، سنحاول أن نبين بعض معالم رؤية التيَّارَيْن المتطرفين للمرأة..

التيار الأول هو الاتجاه المتشدد والمتنطع الذي ربما لم يسمع بأقوال وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، التي تؤكد دائما على اليسر والتيسير والتنذير من التعسير ومن ذلك قوله (إن الدين يسر ولن يشَادَّ الدين  أحد إلا غلبه). هذا التيار الأخير يزعم أن المرأة أدنى مرتبة من الرجل؛ لا تصلُح للعمل خارج البيت سواء في الميادين الاجتماعية أو الثقافية أو السياسية.. ربما فهم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم (النساء ناقصات عقل ودين) فهما مغلوطا ومشَوَّها. لم يكتف هذا التيار بهذا فحسب، بل حاول أن يبتخس المرأة حقوقها المكفولة في الشرع الإسلامي الحنيف، فلن تجد له خطابا إلا ويكون دعوةًَ للتهميش والانتقاص من مكانة المرأة ودعاية لهضم حقوقها وحرياتها.. أحيانا باسم الدين أو العرف أو التقاليد. حتى حريتها في اختيار شريك حياتها حرموها منها (مثال لإبراز ذلك، في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم أتته امرأة وأخبرته بأن أباها أراد أن يرغمها على الزواج بابن عمها وهي رافضة له، فلم يُجِز عليه السلام ذلك. فأخبرته بأنها أرادت فقط أن تُعلم النساء حقوقهن المكفولة). وكذا حريتها في اختيار لباسها الإسلامي منعوها من ذلك؛ حيث فرضوا عليها عُنوة النقاب الذي ما هو إلا فضيلة وليس بفريضة كما يقول فضيلة الدكتور الشيخ فريد الأنصاري رحمه الله، وكما يبين ذلك حديث الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أسماء بنت أبي بكر. والذي يُثير الباحث في نمط التفكير  عند هذا التيار هو دواعي التضييق على المرأة، هل هو حب الرجل للسلطوية والاستبداد والاعتداد بالرأي ظنا منه أنه كامل لا يحتاج لمن يتكامل معه؟ أم أنه فهم خاطئ مغلوط للنصوص الشرعية؟

التيار الثاني هو التطرف المضاد الذي يفتري على دين الله ويزْعُم أن الإسلام قَيَّد المرأة بالزي الشرعي ـ الحجاب ـ وبدعواته إلى العفة والطهارة  والإحصان والحشمة.. هذا الاتجاه الذي يسمي نفسه زورا وبهتانا  “التيار الحداثي”، والحداثة والعلم بريئان منه براءة الذئب من دم يوسف، فهو مازال يَتيهُ في غياهب الجاهلية والضلال، بدليل قوله تعالى: (ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى).

هذا التيار، وللأسف له نظرياته وأجنداته، يتزعمه رجال هَمُّهم فرجهم، وبتزكية من النساء المخدوعات بجاذبية كلمة “التحرر” والمقولات الرنانة في آذانهن عن المساواة الكاملة مع الرجال، رغم الاختلاف البيولوجي وخصوصية كل جنس على حدة. وأي مساواة تلك التي تصبح فيها المرأة شيئا، تكريسا لمنطق المرأة الجسد؟ وأي مساواة تلك التي تُحرم فيها المرأة من تغطية جسدها، والحرية تعطى للرجل في ذلك. ولعل أبرز مثال على ذلك ما تتعرض له المرأة من أبشع وأقذر أنواع التَّشْييء في الإعلام الذي يسيره المحسوبون على التيار “الجاهلي الذي يدعي الحداثة ” في ربوع العالم الإسلامي؛ حيث يتم تسليط الضوء على جغرافية الكيان الأنثوي، فيتم فرض لباس كاشف على المذيعة أو غيرها.. لا يستر لا النحر ولا الصدر، فيبين بشكل صارخ مفاتنها، أو يتم تلبيسها عنوة لباسا لا يكاد يبلغ الركبتين، أو لباسا لاصقا بالجسم كأنه جلدها ليزيد ذلك من إبراز معالم الجغرافيا الأنثوية، أو يتم صباغة وجهها بمساحيق وأدوات الزينة لتتزين للمشاهدين لا لبعلها. (ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن)، وهذا إعلان منذ البداية للهزيمة من طرف المرأة التي تضيف إلى خلقتها أصباغا كأنها شوهاء والله خلقها في أحسن تقويم. (ولقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم). كل هذه التلوينات والتلبيسات تحشر المرأة المسكينة المقهورة في زمرة “الكاسيات العاريات”. فليت شعري، نجد وعيا لدى المرأة المسلمة بالمخططات الجهنمية التي تُدبر لها، لإبعادها عن تعاليم شرع ربها، واستغلال أنوثتها.

ليت شعري، يعي شباب الأمة الإسلامية، المؤامرة التي تحاك ضده، بجعله مستجيبا  لغواية النساء المتبرجات، بجعله أسير فرجه، سجين ثقافة الجنس والشهوة.

خلاصة القول، أن الحل الأمثل لقضية المرأة هو الإسلام الذي يكفل لها حقوقها الطبيعية بعيدا عن تنطع “التقليديين” وإباحية “مدَّعو الحداثة”.

الشمعدان الحزين

كنت أتجول في أزقة المدينة القديمة  بحي السمارين ككل أسبوع، وبينما أنا في أحد دكاكين التحف القديمة وأدوات الزمن الجميل، شد انتباهي شمعدان قديم من النحاس الخالص، بعد مفاوضات البائع المراكشي، ابتعت الشمعدان ورجعت إلى البيت مغتبطا لأن شمعاتي كانت وحيدة، وشتان بين كتابة الشعر على ضوء الشمع وتحت المصباح. كانت شمعاتي تتآكل في العراء، كنت أعرف أنها ستسر لرؤية الشمعدان، لكن ومنذ عودتي ذاك المساء وأنا أبحث عن سر محير؛ فكلما وضعت فيه شمعة تبكي في أول لقاء، بينما لا يبدي الشمعدان أي اكتراث، كان أمرا غريبا، كل ليلة شمعة وبكاء ودموع وحب، والشمعدان لا يتغير وكأنه يحمل بين أضلعه سرا دفينا وحزنا عميقا.

تواصلت الليالي وتواصلت الشمعات، وتحول الشمعدان إلى شهريار الملك  الذي واصل ذبح العذارى إلى أن جاءت شهرزاد فقصت عليه القصص، لكن الشمعدان واصل احتراقه ككل ليلة، مما أثار  في نفسي سؤالا: إذا سرت الشمعات به في أول لقاء، وإذا كانت تحبه إلى درجة الذوبان، فلم البكاء؟

أحزنني منظر هذا اللقاء، فقررت أن لا أضع فيه شمعة بعد الآن.

برؤيتي المتواضعة

تكمن خطورة الحوادث وأهميتها في المجمعات التي تكتظ بالأنفس البشرية، وذلك بسب الهلع الذي يصيب الناس عند حدوث حريق أو انفجار أو ما شابه ذلك. وما يزيد من خطورة تلك الحوادث وقوعها في المجمعات التعليمية والمدارس، فعند الحديث عن المجمعات التعليمية والجامعات والحوادث التي تحصل داخلها، يستحضر الذهن الباطن لديه المجمعات والمدارس الموزعة في منطقة مكة المكرمة، ولعل حادثة الحريق الذي حدث في مدرسة البنات والتي لازالت قابعة في ذاكرتي منذ عشرات السنين أكبر دليل على تدني مستوى السلامة في المدارس والمجمعات التعليمية.

نشطت ذاكرتي قبل أيام قليلة في إحدى الكليات في مكة المكرمة، بعد أن ألغي جميع المحاضرات لحدوث التماس كهربائي في إحدى القاعات، فـالحادثة ليست بصدفة ولا خلل حدث خارج عن الإرادة، بل هو مجرد إهمال من قبل المسؤولون في العمادة من خلال إهمالهم لأبسط قواعد السلامة واللامبالاة المعتادة منهم، وعبارتي هذه لا تنقل شيئا جديدا، ولكن نقلة وتصوير لإحدى الوقائع في إحدى الكليات التي أصبح لها عمر في مكة ليس بالقليل أهمل بشكل ملحوظ البنية الداخلية للمباني فأصبحت أسقفها كسحابات تحمل في جعبتها أمطارا تهطل كل يوم في مكان جديد، أما القاعات والممرات أو في المكتبة فقد أصبحنا نحن الطالبات نعيش بجو ماطر في وقت الجو بالخارج يفتقر لهتان بسيط. فعلا الوضع الذي أصبح خارجا عن السيطرة هو توفير مكان صحي ونظيف وآمن للطالبات.

والملفت للنظر والمثير للغرابة في آن واحد أن جميع كلياتنا وجامعاتنا من الخارج توحي بالاهتمام من المسؤولين، ولكن حين تسأل الطالبات سيرددن المثل الشعبي المعروف: (من برا الله الله ومن جوا يعلم الله)، فالكل يعلم بطينة المجتمع الجامعي والأكاديمي الذي لا يحمل أي مسؤولية، وزاد من الطين بله التقصير الذي أصبح يهدد طالبات وطلاب الجامعات والكليات.

السؤال الذي يدور في ذهني: هل المطلوب منا كطالبات وطلاب أن نقف أمام أبواب المسؤولين عن أرواحنا والمسؤولين عن راحتنا ونطالبهم بما هو من حقنا؟ ونطالبهم بأمننا كطلاب في كلياتنا وجامعاتنا؟

إننا لا نطالب مملكتنا التي يشهد لها بالخير في الشعوب الأخرى بقصور ولا كنوز، ولكن نطالب فقط بتوفير بيئة صحية نقصدها كل صباح.

همسة إلى المسؤولين:

ليس على كل طالبة أو طالب أن يكتب وصيته قبل استعداده للذهاب لجامعته أو كليته، بل عليه أن يحمل في ذهنه وفي ملفات أوراقه طموحه وأحلام مستقبله.

إلى الريف الحقيقي..

صعد الركاب إلى القطار: ”إنها الساعة الثامنة ليلا، سنصل في الساعة السابعة صباحا”. هذا ما قاله أحد العاملين بالقطار.

القطار من القطارات البطيئة، والركاب أغلبهم من الشباب، ويا ويلتاه من شباب(؟؟)، شباب سكير عربيد بلغ من الفسق عتيا؛ الاختلاط الصارخ: كل شاب مع فتاة، كل ثنائيين يتناجيان على ماذا؟ الله أعلم، إلا امرأة واحدة وحيدة نقية زاهدة محجبة، جلست لوحدها في الأمام يتحسر قلبها ويحترق على مصير هؤلاء الفتيات اللواتي يعبث بهن هؤلاء الغلمان؛ أحيانا تسمع هذه تُقَبِّل ذاك وذاك يُقَبِّل تلك، أرادت أن تقوم بالدعوة إلى الله بهذا القطار، ولكنها هي الأخرى خافت على نفسها من الوقوع في الفتنة، فجلست لوحدها تبكي…

رائحة الخمر تفوح من الأفواه “إنها الرابعة صباحا”؛ هذا ما قاله أحد العاملين بالقطار، ربما زنى بالقطار من زنى في الظلمة الحالكة، بعد ما لعبت الخمر في رأسه، ربما فكر في لحظته العابرة، وفي متعته الغابرة؛ نسي أن هناك يوما ليس كغيره من الأيام، يوم عسير يشيب لهوله الولدان.

توقف القطار في المحطة التالية، لا أحد من الركاب ذهب يصلي لا العشاء ولا الصبح، فالزمان طويل.. إلا تلك المسلمة ذهبت لتصلي ركعتي الفجر والصبح بعدما صلت العشاء في القطار جلوسا، علمت أن صلاة الفجر خير الدنيا وما فيها، فتركت الزناة والزانيات من الكاسيات العاريات والسكيرين والسكيرات؛ فلبت نداء ربها وصلت صلاتها فطوبا لها يوم اللُّقْيا..

صعد القطار وافد جديد، إنه شاب وليس ككل الشباب؛ خفيف اللحية شديد بياض الثوب وشديد سواد الشعر، وربما بلغ من الجمال جمال يوسف عليه السلام. انطلق القطار وكل فاجرة تنظر إليه بعين حسودة: مع من سيجلس؟ مع من سيختلط؟ مع من يستمتع بجماله؟ صُدمن لما رأوه غاض البصر وذاهبا إلى مكان فارغ في منأى عن الفجار. أخذ يستمع فيه لأحاديثهم ويشم روائحهم الطيبة (!!) الملوثة برائحة الخمر، سأل الركب عن وجهتهم فأجابو بصوت واحد: “إلى الريف”، سألهم عن العلة في اجتماعهم على ذلك المقصد؛ فأخبره أحدهم بأنهم اجتمعوا فيه منذ خمس سنوات وجمعتهم الأقدار مرة أخرى ليبحثوا عن السكينة في هدوء الريف. قهقه الشاب الظريف، ثم قال: “أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. {ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس} صدق الله العظيم. فها أنتم اليوم تهربون من فساد المدينة، وها أنتم تمارسون ألوانا من الفساد في القطار وتريدون أن تذهبوا إلى الريف لتفسدوه أيضا ـ الريف أيضا فاسد، دخلت إليه على حين غرة الأفلام الجنسية الماجنة سواء المكسيكية أو العربية أو التركية؛ فتأثر الشباب بها فصاروا يقلدونها: الإناث أُعجبن بلباس المكسيكيات فصِرْن يقلدنهن في ارتداء السراويل الضيقة والقصيرة.. بعد أن كن يلبسن الجلباب. السياح هم أيضا ساهموا في إفساد الريف؛ فالبحيرة صار الذهاب إليها محرما، فقد تجد عيناك سائحة عارية تماما إلا من جلدها.. وقد تجد سياحا عراة؛ إنه لمنظر جد مقزز”، وما إن تلفظ بهذه العبارة حتى ازدرته أعين الشبان الذين يتوقون لمثل هذه المناظر الخلابة في نظرهم!

هذا هو حال الريف، قالها الشاب، فأي ريف تتبغون وأي حاضرة تشتهون؟ فالآية الكريمة تبين أن الفساد منتشر في جميع بقاع الأرض، فاستمعوا إلي يا أيها الشباب.

“القضية يا إخواني وأخواتي؛ قضية جنة أو نار: إذا كنتم تبتغون سبيل النار فإن جهنم ترحب بكل عابر سبيل إليها، وكل محفوف بشهواته، إن الشيطان يغريكم لعنة الله عليه، فتوبوا إلى الله توبة نصوحا لتدخلوا جنة الرحمان – اللهم إني قد بلغت فاشهد ـ. النار لهيب أبدي تنتظر من تحرق، أما شهواتكم فهي فانية عابرة، فالإسلام لا ينكرها لكنه يهذبها، فتزوجوا فذلك حل الغريزة التي تحول الإنسان إلى بهيمة! أما الجنة فإذا سألتم عن طريقها؛ فاعبدوا ربكم وائْتَمروا بأوامره واجتنبوا نواهيه: صلوا الصلاة المفروضة، أكملوا بالنوافل، استيقظوا للفجر واقرؤوا القرآن وصوموا رمضان وحصنوا فروجكم..”

أخدت الدموع تنهمر، الكل يبكي الكل نادم: “الله أكبر نريد الجنة ونريد التوبة” هكذا صاحوا جماعة.

فأجابهم: “إن أردتم التوبة وعبادة الله فسنذهب إلى كوكب آخر بعيدا عن أي عالم ظهر فيه الفساد، فهيا بنا إلى عالم نظيف نقي من الأدران.”

سألوه: “من أنت؟” فأجاب: “أنا جبريل مرسل من ربي في صورة بشر..”

أوقف الشاب القطار بنفسه بالقوة الربانية التي يمتلكها، ثم نزلوا منه فوجدوا مركبة فضائية نعمة ومنة من الله سبحانه وتعالى، وقال لهم: سترون كم هي أكبر وأسرع مما تتشدق به أميريكا.

كانت كل شابة تحمل منذ انطلاق القطار من المدينة معطفا للبرد. فأخذنه وغطين به شَعرهن استجابة لأمره تعالى: “وليضربن بخمرهن على جيوبهن”.

ركبوا المركبة، فقال الشاب: “سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون”، ثم سارت المركبة في سرعة كلمح البصر، ثم وصلت إلى كوكب لم تطأه قدما بشر، لا من أمريكا ولا غيرها؛ ليس بالقمر ولا المريخ، وإنما هو كوكب أجمل. وصلوا إليه ثم مكثوا فيه ليال ذوات العدد إلى أن تابوا وأصلحوا فاستفسرهم الشاب: “ما هي وجهتكم؟” وقال: “هيا بنا إلى الريف الحقيقي الذي تجري من تحته الأنهار خالدين فيه أبدا..”

عندما تعلمت الحياة من صرصور!

حتى وقت قصير كنت أعتبر الحياة عدم الفشل، إنه المنطق.

أنا لست هنا بصدد درس فلسفي بل بدرس حياتي، أعرني يا أخي انتباهك واسمعني.

إن كنت تظن أن عدم إخفاقك نجاحا سيصنعك مجداً فأنت مخطىء أيما خطأ، و إن كنت تظن أن إستسلامك يعني ضعفك فأنت مخطىء مجدداً، وإن كنت تظن أن نجاحك يبنيه الكمال فأنت مخطىء، شديد الخطأ!

كيف تعلمت هذه الأمور؟ لقد تعلمتها من صرصور، فبعد أن أبيدت الصراصير في بيتي، عادت للحياة مجدداً، كأنها تعلمت الدرس منذ زمن. لم تقتلها المبيدات وآلاف محاولات القتل ولم تقتلها السموم.

مخلوق صغير فهم ما لم يفهمه معظم البشر، إنه الصمود يا أخي، ليت هذا فقط لم تبيده يد الإنسان و قنابله الفوسفورية و العنقودية و النووية، وحده خرج منها رافعا مفاهيم الصمود عالياً.

ليت ذلك فقط، واجه الانقراض الأول العظيم، فمات نصف المخلوف وبقي هو مع النصف. ليت ذلك فقط، واجه الانقراض الأعظم فمات الجميع، فبقي هو صامداً. مذكراً بعظمة الله وسر خلقه المذهل.

إن كان الصرصور مذهلا، فإن قطرة الماء الصغيرة جبارة، تخبل العقول و تحيرها. إنها قطرت الماء الصغيرة التي حطمت أكبر الصخور نخرتها نخراً، كالمهماز، إختراق عظيم شقها شقين، نعم من قطرة.

ما أريد قوله يا أخي، أن هناك سراً، النجاح الحقيقي هو أن تنتقل من فشل الى آخر ولم ينقص من حماسك شيء، النجاح يا أخي هو ليس أن تنظر العاصفة حتى تمر بل هو حتماً أن ترقص على مطرها. واجه يا أخي واجه و إن كان غذاً يوم موتك! فقط حافض على حماسك!

الرغيف الساخن

“لعلني واحد من عسس هذا الليل، أو حارسا للنجوم و القمر”، قلت ونفسي أنا ساهر بالشرفة لا أدري ما دعاني للسهر…

كنت أشغل بالي في تشكيل صور هاته الكائنات الليلية… مثلا كنت أخال القمر رغيفا ساخنا، و أصيره هلالا فأقول لعله موزة من موز الجنة… وأخال النجوم فوانيس تحملها كائنات جوعى تبحث عن الرغيف والموز… أخال الشهب عسسا مهمته حماية الرغيف والموز من الزاحفين إليهما من الجياع… خلت نفسي واحدا من هؤلاء الجوعى… دنوت من الرغيف الساخن فرحا، و امتدت يداي… لكن طلقة حالت دوني ودون الرغيف…

نهضت من السرير مذعورا، كذئب نائم جزّ ذيله بغتة، بسملت وحوقلت و حمدلت واستعذت بالله من الجوع الرجيم، وقلت معزيا نفسي:

– سأنام من جديد، وأتمم الحلم، وأعيد محاولة أخرى علّني أظفر بالرغيف الساخن وأتحاشى الطلقة اللعينة…

واستسلمت للنوم…

في: الجمعة 17 دجنبر 2010م.