استقالة

لم ينتظر أحدا، ومشى على طريقته.
يحاور نفسه، لا يتكلم مع أحد.
كان الصوت أكبر من حدود مقاطع الكلمات.

لم ينتظر أحدا ومشى على حاشية الطريق، اعتزل الوقوف على مطبات العواطف واغتال القصيدة.

واستقال النثر من خواطره القديمة والجديدة.
واحتال على مكيدته بمكيدة أخرى، ولم يشعر. لا بوقت قصيدته ولا بأي من ذكريات الحلم.

فشل ذريع في زوابعه. في القصيدة والحقيقية والجريدة.

واكتفى بنهاية مؤجلة
ربما حانت وربما  بعض الوقت أجلها
لكنها انتهت، واستقال الأقحوان.

جديد السنة الدراسية 2011/2012 (المغرب)

بعدما ولت سنة 2010/2011 بنكباتها وإضراباتها المتتالية، وبعد قصة طويلة من الشد والجذب بين النقابات المهنية ووزارة التربية الوطنية والتعليم ، ها هو عام دراسي جديد ينطلق بصمت وسط تخوفات من تكرار نفس المشاهد الهزيلة التي كانت العنوان الأبرز للموسم المنصرم.

هذا الموسم قد يشكل استثناءا إذا ما علمنا أن هناك مستجدات دُونت بأقلام أصحابها على المذكرات الوزارية الصادرة هذا الصيف ومستجدات أخرى لم يُفصح عنها وظلت حبيسة الكواليس والتي تصل أصداؤها المفرحة والمزعجة أحيانا إلى مسامع ذوي الاختصاص.

أولى المستجدات التي أقدمت الوزارة على زفها إلى مندوبياتها التعليمية عبر مذكراتها سيئة السمعة هي حذف عطلة رأس السنة الميلادية من لائحة العطل المدرسية للموسم الدراسي المقبل، وأنباء أخرى تتناقل إمكانية حذف العطلة الجهوية التي كانت تمنحها الوزارة للأكاديميات الجهوية مع منحها حق التصرف. خبر وإن رام إحكام تدبير الزمن المدرسي وزمن التعلم كما تقول الوزارة في مذكرتها، إلا أنه سيَلقى معارضة شديدة غير مسموعة من طرف التلاميذ الذين يمضي معظمهم جل وقته في الفصل وهو يعد ويحصي ويضرب المواعيد مع العطل، ومعهم رجال التعليم الذين يعتبَرون المستفيد الأول والأخير من العطل المدرسية، وليس لهم بعد هذه التقلصات المتتالية في مدد العطل إلا أن يتمنوا إضرابا كاسحا مثل السنة الماضية لينعموا بنوع آخر من العطل غير المباشرة  التي أضحت عادة موسمية مثل الراحة البيولوجية.

المذكرة الوزارية حددت الأيام الفعلية للدراسة وعدد الساعات المخصصة لكل مادة بالإضافة إلى فترات إجراء المراقبة المستمرة وفترات الإعداد للامتحانات الإشهادية، وتفعيل برنامج قافلة التعبئة الاجتماعية وتحديد الترتيبات الخاصة بتأطير أقسام “جيل مدرسة النجاح” ورزمة أخرى من التوصيات والإجراءات التي تبهر كل من طالع المذكرة 112 الصادرة بتاريخ 21 يوليوز 2011، غير أنها لن تبرح مكانها على الورق والدليل أن هناك مذكرات شاهدة لسنوات خلت لم تجد طريقها بعد نحو التطبيق الفعلي.

أما المستجد الذي لم تشأ الوزارة أن تعلنه للملإ فهو خشيتها من استمرار موجة الإضرابات التي عرفتها السنة الماضية في ظل احتقان زائد لا يبشر بدخول مدرسي سليم، وقد يكون المستجد اليقين في قادم الأيام.

الآن تبحر بوداع غادر

أتائه عني أم روحك حائرة؟
أنا تلك الزهرة الخجولة
الصامتة الصابرة
التي أهدتك رحيقها
وحجبت عن غيرك مرآها

أنا تلك الروح الهائمة
فوق جنون العشق
عائمة

أنا ذلك القلب الذي وارته
أتربة جراح غائرة
وانتفض من غبار نومه
بنظرة منك عابرة
فكان كالطفل اليتيم
انشرح صدره
بلمسة شافية

الآن
أنظر إليك بصمت قاهر
وأنت تبحر بوداع غادر
كأنك حلم عابر
مر على جسد الحقيقة
وغرز سهما
بقلب روحي الرقيقة
ثم ترك ظله يداعب
دموعي الحزينة
وامتطى جواده مرتحلا
إلى ساحات الغياب

عيدكم مبارك سعيد وكل عام وأنتم بخير

يسرنا في إدارة مجلة القراء أن نبارك لكم حلول عيد الفطر السعيد، راجين من الله أن يتقبل منا ومنكم الصيام والقيام، كما يسعدنا بهذه المناسبة أن نتقدم بأسمى آيات التهاني والتبريك لجميع كتابنا وزوارنا الكرام، ولكافة المسلمين، راجين لنا ولكم الصحة والعافية، وأن يعيده الله علينا جميعا بالخير واليمن والبركات، وكل عام وأنتم بكل خير.

عيد سعيد

دفاعا عن الفكر الفلسفي (المغرب نموذجا)

“إن الحياة الخالية من التفلسف حياة لا تليق بإنسان”

أريسطو.

يشكل الفكر الفلسفي دعامة لا غنى عنها في سبيل امتلاك الروح المفعمة بالنقد والتحليل، والتي لا تتوقف عند التلقي السلبي. هذه الروح هي التي يمكنها إخراج الناس من مستنقع التقليد والتبعية والاستبداد، وهي الكفيلة بجعل الناس يتنفسون أنسام الحرية، وبتعبير عبد الرحمن الكواكبي “ما انتشر نور العلم في أمّة قط إلا وتكسرت فيها قيود الأسر وساء مصير المستبدين من رؤساء سياسة أو رؤساء دين”. وبدون روح التحليل والنقد سنظل ببغاوات لا تجيد سوى ترديد ما أريدَ لها أن تردده.

أفلاطون (إلى اليسار) وأرسطو (إلى اليمين)
أفلاطون (إلى اليسار) وأرسطو (إلى اليمين)

وقد عرف الفكر الفلسفي بالمغرب مـدّا قويـا إبّـان السبعينات من القرن العشرين، إذ شهد تقدما ملحوظا، تجلى هذا التقدم في مكسب تعريب الفلسفة، وظهور محاولات جادّة لصياغة مقرر من طرف أساتذة يمارسون تدريس مادة الفلسفة. وأمام هذا المد القوي للفكر النقدي الذي يزعج الأنظمة التسلطية، لجأ النظام المغربي كنظام تسلطي استبدادي قائم على مبدأ الخشية والخوف كمبدأ يحدد الأنظمة الاستبدادية حسب مونسكيو إلى وضع مخطط يرمي إلى تهميش الفلسفة وتصفيتها بالتعليم الثانوي والتعليم العالي.

فمن مظاهر تصفية الفلسفة في التعليم الثانوي:

  • – الفصل بين مقرر الفلسفة في شعبة التعليم الأصيل وباقي الشعب، حيث تم وضع مقرر خاص بالتعليم الأصيل.
  • – حذف الفلسفة من شعبة الاقتصاد بدءا من الموسم الدراسي 71/72، ورفض تعميمها على باقي الشعب التقنية الأخرى ومراكز تكوين المعلمين والمفتشين.
  • – تقليص عدد ساعات الفلسفة في السنة السابعة الأدبية “باك” من 8 ساعات إلى 5 ساعات في الأسبوع.
  • – التعديلات اللامبررة للمقرر القديم في الموسمين الدراسيين 76/77 و77/78 وتتويج مسلسل الهجوم بفرض مقرر جديد في الموسم الدراسي 78/79 هو خليط من القضايا و التصورات، حيث إنه يختزل الفلسفة إلى مجموعة من المعلومات التي على التلميذ حفظها لكي ينجح في الامتحان، مما يؤدي إلى قتل روح التحليل والنقد عند التلميذ، وهذا ما يشكل قتلا للفلسفة برمتها، لأن جوهر الفلسفة ليس في الموضوعات ولكن في المنظور الموحد والمتكامل.

كل هذه المظاهر هي حلقات من مخطط شامل يستهدف تصفية الفلسفة والفكر النقدي تحت تبريرات واهية، ولإخفاء هذه المبررات لجأ المسؤولون إلى مبررات مختلفة تركزت بالخصوص حول اعتبارات تقنوية جوفاء كــ:

  • – قلة الأطر، و بهذه الدعوى تم حذف الفلسفة من بعض الشعب تحت ذريعة عدم توفر العدد الكافي من الأساتذة.
  • – عدم جدوى الفلسفة واعتبارها مادة زائدة، مما يعكس النظرة الاحتقارية إلى الفلسفة والتي تغلّـف موقفهم الضمني المتشبث بكل ما هو خرافي قاتل لروح التحليل والنقد العلميين.

ومن مظاهر تصفية الفكر الفلسفي في التعليم العالي:

  • – الاقتصار على تدريس الفلسفة في كلية الآداب، رغم أن الأوساط العلمية تتفق على ضرورة تدريسها في كليات أخرى، ككلية الحقوق وكلية العلوم وكذلك المعاهد العليا من خلال مقررات تتلاءم و طبيعة هذه الشعب.
  • – عدم جدوى الفلسفة وانعدام وجود أية صلة لها بالتنمية، فالمسؤولون في حاجة إلى أطر علمية وتقنية فقط، أما الفلسفة فما هي إلا سفسطة ولغو لن يفيد نهائيا في التنمية.
  • – إحداث شعبة جديدة في كلية الآداب هي شعبة الدراسات الإسلامية، وذلك في محاولة بائسة لمحاربة الفكر الفلسفي خصوصا، وقتل ووأد الفكر النقدي عموما.

وإجمالا يمكن القول أن هذا المسلسل التصفوي الذي استهدف الفكر الفلسفي يعكس “خوف الاستبداد من العلم الإنساني الذي تتعرف به المجتمعات على حقوقها وتكتسب به وعيا بحريتها” كما يعكس واقع الحرب الدائمة بين الاستبداد والعلم، “فالعالم يسعى إلى تنوير العقول، والمستبد يجتهد في إطفاء نورها، والطرفان يتجاذبان العوام. ومن العوام؟ هم أولئك الذين إذا جهلوا خافوا، وإذا خافوا استسلموا، كما أنهم هم الذين متى علموا قالوا، ومتى قالوا فعلوا”. إنها الحرب الدائمة بين الاستبداد والعلم، والحرص الدائم للمستبد على إطفاء نور العلم حسب الكواكبي.

كما يعدُّ هذا الهجوم المنظم على الفكر الفلسفي من الأسباب التي أضرت بمستوى التعليم ببلادنا، فالفلسفة تعلم الطالب الاعتماد على النفس والبحث والتحليل والتمحيص. وتصفية الفلسفة تؤدّي إلى جعل الحفظ هو الوسيلة الوحيدة للتلميذ أو الطالب في العملية التعليمية، إذ يتحول التلميذ بمقتضاها إلى “بنك للمعلومات”، الأمر الذي يؤدّي إلى تكوين جيل سلبي متقبّـل ليست له متانة فكرية، جيل خال من الروح النقدية، يكون ضحية للأفكار الاستعمارية والظلامية، والخرافات المضللة و كل أنواع الشعوذة.

____________________

ملحوظة: بعض المعطيات الواردة في هذا المقال مقتطفة من تقرير للجمعية المغربية لمدرسي الفلسفة.

عَــلَّـمَـتْـنِــي

عَـلَّمتْنِـي الحَيَـاةُ أَنْ أُشْـفِـقَ عَـلَى المَغْـرُورِ فَإِنَّـه يَحْيَـا شَـقِـيّــا

وَأَنْ أَغْـفُـو بـِجَـنَـّةِ الـصَّـمْـتِ عِـنْـدَمَـا يـَرْعُـدُ الـغَـضَـبَ الـعِـتِِيّا

عَـلـَّمَـتْـنــِي صَـفْـعَـةُ الأَعْـدَاءِ أَنْ أَشُـدَ الـعَـزْمَ وَأَبْـقَــى قـَوِيّــا

أَمَـــامَ إِعْـصَـــارَ الأَوجَـــاعِ وَالـــزَّعَــابِـيـــبَ الـشِّـتْــوِيَّـــة

عَـلَـّمَـتْـنِي الـهَـزِيـمَـةُ الـتَـّقَـدُّمَ وَالـكِـفَـاحَ بِـالـحَـيَـاةِ الـعَـمَـلِـيَّـة

وَأَنْ أَحْـفِـــرَ بِــاظَــافِـــري فِــي الــصُّــخُـــوْرِ الــنَّــارِيَّـــة

عَـلَّـمَـتْـنِــي الـدَّمْـعَــةُ أَنْ أَلْـجَـأ لِـخَـالـِقِــي سِــرَّاً وَعَـلانِـيّــة

وَأَنْ أَرْتَـــدِي تَـــاجَ الــشُــمُـــوُخَ فِــي كُــلِّ فَـجْـــرٍ نَــدِيّـــا

عَــلَّـمَـتْـنِــي الـكَـلِـمَـةُ أَنْ أَسْـمَـع صَـوتُ الـخَيَــالَ الـغَـنْـيّــا

وَأَنْ أَرْسُـــمَ صَــوْتَــهُ مِــنْ ذَاتِ الــبُــحُـــوْرِ الـمُـوسِـيـقِـيَّـــة

عَـلَّـمَـتـْنِــي أُمـِـي الـخَـوْفَ مِـنْ رَبِّــي وأنْ أُصْـبـِـحَ تَـقِـيـّـا

وأنْ أكْــــرَهَ الـعِـصْـيـَـــانُ وَأُزْهـِـــقَ الــشِّـــرْكَ الــخَــفـِـيـّــا

كلمات من وحي شهادات التعذيب

إن كل كلمات الكون غير قادرة على تحرير سجين واحد.

على هذه الأرض الممتدة إلى ما لانهاية، كانت الصرخات والآهات القادمة من أعماق الدهاليز والمنبعثة من عمق السراديب المظلمة تمزق أحشاء هذا الكون. والعالم بأكمله يغرق في طوفان من الصمت اللانهائي… وكان الإنسان كتلة من التحدي والإرادة.

وكان الجلادون يستلقون على ظهورهم من الضحك في “حفلات” التعذيب، وكان الضحايا تحت الكرابيج يتلوون من الألم.. الأجساد تلتهب تحت السياط، أما الإرادة فكانت تتصلب وتتقوى.. تتصلب وتتقوى إلى أن تصير قوة لا تقهر.

وحدها الإرادة التي لا تستطيع أي قوة على وجه الأرض أن ترغمها على الخضوع و التصاغر.. لله ما أعظم قوتها.. من أي معدن صيغت الإرادة؟؟

يستطيع الجلاد أن يجعل من الجسد خريطة إن شاء.. يستطيع أن يفتته ذرات إن شاء.. أن يذيبه… أما الإرادة فوحدها التي لا يستطيع كائن من كان أن يخدشها، خدشا ولو بسيطا حتى.

والإنسان في آخر الأمر ليس سوى كتلة من الإرادة.. الإنسان يا سادة لا يقهر.. إنه أقوى من الصخر.. أقوى من كل قوي، لا الاعتقال ولا التعذيب ولا السجن   بقادر على النيل منه وكمن إرادته… يتحمل كل شيء.. نعم الإنسان يتحمل كل شيء.

من ليس له إرادة.. إنسان مغشوش؛ بل ليس إنسانا. فليس الإنسان ما تعتقدون أنه ذاك الركام من الأعضاء، يدان ورجلان وعينان ورأس مملوء ثقوبا.. لا.. ليس هذا بإنسان.. مخطئ من ظن الإنسان جسدا فحسب.

الإنسان إرادة… فقد يستطيعون أن يمتلكوا الجسد.. أن يسجنوه.. أن يعذبوه.. أن يجبروه على البقاء عاريا في الزمهرير.. يستطيعون تصفيته حتى.. لكن ماذا يبقى من الإنسان بعد فناء الجسد؟؟

إنها الإرادة.. ووحدها الإرادة التي لا يستطيع أعتى الجلادين أن يجبرها على شيء.. يفنى الجسد وتبقى الإرادة.

التحدي إرادة، وأينما وجد التحدي يكون التعذيب والاعتقال والاغتيال.

يستطيعون أن يفعلوا ما يشاؤون بالجسد، يستطيعون أن يمثلوا به، أن يشوهوه، أن يعلقوه على أبواب المدن.. أن يصلبوه.. يستطيعون أن يحولوه لحما مفريا. أما الإرادة فهل بوسعهم اغتيالها؟؟ أفي وسعهم أن يمثلوا بها؟؟ أفي وسعهم صلبها؟؟

لا ولم ولن يستطيعوا…

كل ما في وسعهم أن يفعلوه هو اعتقال جسد… “ففي وسعهم أن يعتقلوا ثوريا؛ لكن ليس في وسعهم اعتقال الثورة”.

في: فاس، الأربعاء 29 يونيو 2011م (المغرب).