اليتيم

كانت شمس الضحى قد ارتفعت حتى كادت تستوي في كبد السماء، والمدينة كلها تسبح في بحر من الحركة والنشاط، وها هو السوق الأسبوعي الممتلئ و أصوات الناس تمتزج مع نداء الباعة المغرية، فتشكل سيمفونية عذبة لا تزعج السمع. أما تلك البضائع المعروضة فتجذب النفس جذبا، والناس يجرون بقففهم المثقلة هنا وهناك.

ولا أحد يهتم بذلك اليتيم البائس، كان طفلا في ربيع عمره، متوسط القامة، كان محزونا كاسف البال، تبدو على وجهه الصغير وجبينه المقطب كآبة مظلمة، وتتوارى على نفسه حالة من البؤس والشقاء. وكان إلى ذلك مرقع الملابس التي لم تلبث أن كشفت عن صدره المتغير لونه، الذي يعلو ويهبط دون انقطاع. يمشي حافي القدمين على تلك الأرض الجرداء الملساء، التي تقع عليها أشعة الشمس الملتهبة فتلهب الأقدام. لكنه لم يكن يبالي بحرها وكأنه جسد بلا روح.

فانتهى إلى زاوية بقرب أحد المتاجر، ووضع أمامه ذلك الصندوق الخشبي وتلك المادة السوداء اللزجة، كان ينتظر شخصا ما ليضع حذائه فيلمعه تلميعا، ليحصل على ما يسد رمقه.

كان يرقى ببصره الحائر إلى السماء؛ لعل ذلك النجم المشع الذي لا ينطفئ يخبره عن مكان والديه.

و بينما هو كذلك إذا بيد خشنة صلبة كأنها من فولاذ؛ تهوي على عنقه بلطمة قوية، حتى تراقص ما كان حوله، وكان للطمة ألم معنوي أكثر من ألمها المادي. وبينما هو يفيق من هول الصدمة، كان صاحب المتجر يرمي بتلك الأغراض بعيدا ويقذف بكلمات بذيئة. فرمقه اليتيم بنظرة مبللة بالأسى، وقد تواترت على رأسه الحليق نوبات من شعور مؤلم و تزعزع كل ما تجذر في عقله من المبادئ التي تربى عليها، حتى أوشكت أن تنهدم فوقه، فنهض من مكانه و راح يجمع أغراضه ثم حملها وذهب بعيدا دون أن يدير وجهه ولكنه لم يملك دموعا غلاظ، وكأنها عقد لؤلؤ قد خانه النظام، التي تحدرت على خديه فغسلت كل الشوائب التي علقت به. تاركا و راءه أناسا لا يعرفون للرحمة و العطف لونا.

لكنه كان على يقين أن الحياة عبء يجب أن يتحمل، رضي الناس أم سخطوا.

ألـــــــــــم

كنت اعرف أنها تتألم
ولا تريد يوما أن تتكلم
وتخفي في قلبها حبا
لكنها ترفض أن تقول نعم

آه يا قلبي لا أخفيك حبي،
لكن أنا ما ذنبي
لم ؟ لم تقوليها ذاك المساء
لم تكتمين الهوى عند اللقاء؟

لا تفعلي هذا يوما فتندمي
إن كتم الهوى في القلب الم
قدري كان أن ترحلي أبدا
فأكتب بدمعي وأعرف هذا النغم

كنت اعرف أنها تتألم
ولا تريد أن تتكلم
وتخفي في قلبها حبا،
لكنها ترفض أن تقول نعم

لن يجدي بعد اليوم اعتراف
ما جدوى الكبرياء ولا حتى الندم
لماذا لم تقوليها ذاك المساء؟
لم تكتمين الهوى عند اللقاء؟

قدري كان أن ترحلي أبدا
فتجرحي هذا القلب… وهذا القلم
لماذا تخفين الكلام؟
لماذا تكتمين الغرام
لماذا لم تقولي نعم؟

براءة مغتصبة

كان الزقاق ضيقا تتلوى دروبه، وكأنها حية تسعى، تقف على جوانبه منازل صغيرة ذات أبواب حديدية قد أنهكها الصدأ، وجدران مشقوقة أضفت عليه شعبية أكثر، ومن بينها بيت قديم؛ يحكي عن التغيرات التي طرأت على هذه المدينة الأمازيغية، متوسط الحجم، به ثلاث غرف تنم على بساطة العيش، وفي وسط الدار، تجد الفناء المليء بمزهريات تضم شتى أنواع النباتات، تجعل من الفناء حديقة غناء.

استيقظ الحسين على صوت المؤذن الذي ينبعث من الجامع الكبير، رجل في الخمسين من عمره، طويل القامة، عريض الكتفين، ذو لحية خفيفة قد نخرها الشيب، يرتدي جلبابه الصوفي و طاقيته التقليدية التي تغطي رأسه الأصلع، وكأنه أرض جرداء.

أب لإبنين و سبعة بنات،زوج أربعا منهن، خرج مسرعا نحو المسجد لصلاة الفجر، في طريقه التقى بأحد أصدقائه و كان سمسارا، فبادره قائلا:
ـ السلام عليكم أخونا الحسين.
ـ وعليكم السلام، ما بالك يا صديقي؟ أرى أنك تحمل أخبارا هامة.
فرد عليه السمسار ممازحا:
ـ أجل وكيف لي أن أعيش بدون أخبار !
ـ حسنا، هات ما عندك.
أجاب السمسار فورا:
ـ أتذكر الموضوع الذي حدثك عنه الأسبوع الماضي؟
قال الحسين باهتمام مصطنع:
ـ بالطبع أذكر، هل وجدت شيئا؟
فصاح السمسار:
ـ أحسن ما يكون، لقد بحثت كثيرا حتى وجدته.
فقال الحسين:
ـ فلنذهب للصلاة، وسأجيبك غدا بحول الله.
أجاب السمسار:
ـ سأنتظر جوابك.

رجع الحسين من صلاته، و في عقله هم كبير، دخل غرفته، و أخد يحلل ويقنع نفسه بأشياء تافهة، فغفي لبعض الوقت.

***

ـ انهضي! انهضي يا أسماء، لقد تأخر الوقت، هيا لا تثيري غضبي.
تحاول الأم أن توقظ أسماء بصوت خافت، مخافة أن تزعج الحسين.

ٳسمها السعدية، لم تكمل الأربعين من عمرها بعد، لكن ملامحها توحي بأنها قد تجاوزت الستين، غائرة العينين، شاحبة اللون، تضع منديلا رثا على رأسها الذي لم تعد كتفاها تقوى على حمله لكثرة الهموم، أما جسدها؛ فقد كان لوحة يفرغ فيها الحسين طاقاته. رغم ذلك، لم يكن ثغرها المتهدمة أسنانه يخلو من ابتسامة مخيفة!

نهضت أسماء متثاقلة وكأنها أضحية تجر إلى مذبحة. غسلت وجهها، واتجهت صوب المطبخ لتعد الإفطار لإخوتيها وأخيها البكر، الحاصل على الإجازة، لكنه كان عاطلا عن العمل، مرة يجلس مع أمثاله في رأس الدرب، ومرة يقلب البيت رأسا على عقب، مهددا أمه إذا لم تساعده في جمع المال، ليلحق بأخيه إلى اسباني.

أما أسماء، فقد كانت فتاة في ريعان شبابها، بيضاء البشرة، واسعة العينين، ضعيفة البنية، لم يسمح لها والدها بإتمام دراستها رغم تفوقها، كانت كالنحلة؛ تدب فيها الحيوية و الحركة.

اجتمعت أفراد الأسرة على الطاولة، لا شيء مميز؛ خبز الشعير الذي تطحنه الأضراس بصعوبة، و زيت الزيتون، و لا يمكن نسيان الشاي.

فغمغم الفتى:
ـ أبي أريد نقودا.
أجاب الأب باستهزاء:
ـ ألم تجد عملا بعد؟
أحس الفتى بشيء من الإهانة، فبادره بالقول:
ـ لو وجدت عملا لما بقيت هنا لأسمع إهانتك، لقد سألتك عن النقود، أريد حقي.
فاخذ الأب يطلق ضحكاته الهستيرية حتى دمعت عيناه:
ـ ماذا تقول؟ عن أي حق تتكلم؟ وما الذي يمنعك من الذهاب؟ هه؟ هل وصلت بك الوقاحة لتتحداني أيها العاق؟ هيا انصرف اخرج من بيتي.
فرد أحمد بصوت هادئ:
ـ الله يسامحك، أتظن أني سأموت من الجوع؟ حسنا.
فنهض مسرعا، و لم بعض ملابسه، وخرج مسرعا دون توديع أمه ولا أخواته.
فقال الأب، وقد انبسطت أساريره، و كأنه قد ارتاح من عبئ كبير:
ـ يوم نحس! لا أعرف لما لم أتصرف هكذا من قبل. ثم أتم كلامه وهو يمشط لحيته المتلبدة، آه! كدت أنسى، ستذهب أسماء اليوم لتشتغل عند أحد الأغنياء.

ارتعدت فرائص ٲسماء، و بان الذهول على وجهها. كيف تمكن لأب محافظ كالحسين أن يرسل إحدى بناته للاشتغال؟ وعند أناس لا يعرف عنهم شيئا.

فأطلقت الأم العنان للسانها و لأول مرة بكل جرأة:
ـ أنا لن اسمح بهذا، لقد طردت ابني من البيت ولم أقل شيئا، والآن تريد أن تبعد ابنتي، لن يحصل هذا ما دمت حية.
فاستطرد الحسين بصوت مستهزئ:
ـ انظروا من يتكلم، في آخر أيام حياتي ستنطق عجوز مثلك لتتحداني، هذا جيد، أظن انك نسيت آلام الضرب، فربما من الأحسن أن أذكرك.

فهم هاويا ببلغته على السعدية، لولا أن منعته يد أسماء:
ـ سأذهب للاشتغال، لا تغضب أبي أرجوك.
نطقت أسماء هذه الجملة ظنا منها أنها ستسعد والدها، وتحمي أمها من العذاب الذي تعيشه.
فرمي الحسين بلغته بعيدا، وقد اصطنع الهدوء:
ـ أرأيت، هذه هي ابنتي التي أعرفها، أتظنين انه بإمكانك ملء صدرها ضدي كما فعلت مع ابنك؟ لقد أحسنت تربيتها.
ثم أدار وجهه نحو أسماء و قال:
ـ هيا انطلقي بنيتي واجمعي ملابسك، سيأتي السمسار لاصطحابنا إلى بيت السيدة.

***

لم يمض وقت كثير، حتى وجدت أسماء نفسها في بيت فخم أرضيته من رخام مصقول، طليت جدرانه بألوان فاتحة، أما الأثاث الفاخر؛فيزيد من بهاء و جمالية المكان.
ـ أهلا و سهلا بالسيد عمر، أظن انك أوفيت بوعدك.
هذه هي الزبيدة، من أثرى النساء بالمنطقة، امرأة فائقة الجمال، أنيقة الملبس و مثقفة.
ـ بالطبع أوفيت بوعدي، هذا هو السيد الحسين، وهذه هي الفتاة أسماء.
ـ أسماء، جيد، إنها جميلة.
فأطرقت الفتاة خجولة لما سمعته من إطراء.

و بعد الاتفاق على الثمن الذي حددته الزبيدة؛ رحل الأب و صديقه، و بقيت الزبيدة مع أسماء، تنظر إليها بازدراء و الشرر يتطاير من عينيها:
ـ هيا اتبعيني، ولا تتظاهري بالخجل، سأريك المطبخ.
كانت الفتاة تمشي وراء الزبيدة و هي مبهرة بجمالية هذا المنزل، فقالت الزبيدة بصوت مرتفع:
ـ خذي، ارتدي هذه الملابس، و احرصي على نظافتها، وستنامين هنا بالمطبخ، هل هذا مفهوم؟
هزت الفتاة رأساها هزة خفيفة تعبر الإيجاب، وقد استغربت للتغيير الكبير الذي طرأ فجأة و بلا سبب على سيدتها.

***

ولت أيام و شهور، تعرضت خلالها أسماء لأسوء المعاملات، وسمعت أقبح الكلمات، ولقيت أقسى العقوبات، أما والدها؛ فقد سال لعابه طمعا في المال، فكان يأتي كل شهر لأخذ النقود، دون أن ينتبه إلى هذه المخلوقة التعيسة أو يسأل عنها. حتى هذا اليوم، الذي لم تعرف الأسرة يوما مثله، والذي طبع حياتها بطابع من الحزن لم يفارقها.

***

كان يوما صافيا مشرقا، لكنه كان مظلما في عيني أسماء، تمسح غبار هذا وترتب أثاث ذاك، ففاجأها ذلك الصوت المرتفع بنبرته القاسية:
ـ جهزي غرفة ابني سيصل هذا اليوم، لا أريد أخطاء و لا مبررات، إنه يوم مميز بالنسبة لي، و إلا، فأنت تعرفينني جيدا عندما أغضب.
فردت أسماء بصوت خافت:
ـ كما تأمرين سيدتي.

ها قد وصل الابن المدلل، والتأم شمل الأسرة بعد فراق دام حوالي عام حول مائدة غداء فاخرة، وأسماء تلبي طلباتهم التي لا تنتهي،وكأنهم لا يتلذذون بالطعام بل بإرهاق هذه المسكينة.
لينتبه الفتى إليها، كانت أسماء تحاول أن تتملص من نظراته تلك، كانت تعرف أنها نظرات غير بريئة بالمرة.

كان شابا وسيما، جميل الهندام، ينتابه شيء من الغرور و التكبر، يحسب الحياة لعبة مثيرة يجب الاستمتاع بها كلما توفر المال والجاه.

و مر اليوم كله والعائلة تتجاذب أطراف الحديث عن المشاريع المخططة لابنها الوحيد.

***

أظلم الليل، و القمر يتألق في السماء، فأضفى عليها رونقا فضيا ساحرا، وما كان من أسماء، إلا مراقبته بعينين حزينتين، فربما كانت تسأله عن أحوال أمها و اخوتيها. فعكر ذاك الصمت وقع خطوات أقدام…

لقد كان الفتى؛ سلب من أسماء آخر شيء كانت تملكه و تفتخر به، سلب منها هذا الوحش شرفها و هدم عرضها اللذان حافظت عليهما بكل قوة و شجاعة.

ماذا ستفعل؟ وإلى أين ستتجه؟ كيف ستصارح والديها بذلك؟ هل تنتحر؟ هل تقتله؟ آلاف التساؤلات كانت تدور في رأسها الصغير، والدموع الغزيرة تنهمر فوق خديها.

أصبح الصباح، فلم تجد سوى حل واحد؛ أن تطلب المساعدة من سيدتها.
وقفت قرب الأريكة التي كانت الزبيدة جالسة عليها وتمتمت:
ـ سيدتي، أريد التحدث إليك.
فردت الزبيدة بنبرة حادة:
ـ ما الأمر؟ لماذا تزعجينني؟ ألا ترين أنني منشغلة؟
ـ آسفة سيدتي، لكنني أردت التحدث إليك بشيء يخص ابنك.
فظهر الإهتمام في وجه الزبيدة وأردفت قائلة:
ـ ابني؟ ماذا تقصدين؟
فاغرورقت عينا أسماء بالدموع وأجابتها:
ـ لقد… لقد… دخل المطبخ في الليل، و… و…
فقاطعتها المرأة غير مبالية:
ـ آه، فهمت، حسنا، لا تقلقي، سأتدبر الأمر، اذهبي إلى عملك الآن.
ـ شكرا سيدتي، لن أنس معروفك أبدا.

انشرح قلب أسماء، وزال الخوف من قلبها، ونسيت لوهلة كل ما بدر من هذه المرأة من سوء المعاملة.
بعد زوال نفس اليوم؛ اتصلت الزبيدة بالأب، وأمرته بالحضور فورا.
فاستقبلته بابتسامتها المصطنعة:
ـ أهلا و سهلا بالحسين تفضل اجلس.
فرد الحسين مجاملا:
ـ شكرا لك.
فقالت الزبيدة متظاهرة الاهتمام:
ـ أتعرف لماذا اتصلت بك؟
ـ لا، لا أعرف، خيرا إن شاء الله؟
ـ لا أظن انه خير بالنسبة إليك، أقصد أن ابنتك تورطت بعلاقة مع الحارس و…

دارت الأرض بالحسين، وخرست أذناه، وغلى الدم في عروقه، واحمرت عيناه، لقد ضاع شرفه، لقد مرغت هذه الفتاة وجهه بالأرض، ونكسته بعدما كان اشرف أهل الحي، فأصبح يحس بجدار رجولته ينهار و يدمر. ثم سمع صوتا يناديه من جديد؛
ـ سيد حسين، أظن أنك تسمعني، آمل ألا تتصرف مع أسماء بقسوة وعنف، إنهما يحبان بعضهما وهذا ما في الأمر.
ـ أريد أن آخذها، لقد انتهى عملها هنا، ناديها أرجوك.
ابتسمت الزبيدة ابتسامة خبث وشر:
ـ أسماء، أسماء، بنيتي، تعالي قليلا.
فجاءت أسماء مسرعة وهي تجفف يداها من الماء في ملابسها، لكنها تفاجأت عند رؤية والدها.
فقطعت الزبيدة تفكيرها قائلة:
ـ لقد أخبرت أباك بعلاقتك مع الحارس، وأظن أنه سيتفهم، لا تقلقي، وبالمناسبة، سأساعدكما في إقامة حفل زفاف.

ارتعد جسد الفتاة، لم تعد تعي أي شيء، أي حارس؟ وأي زفاف؟
أما الأب، فلم يتمالك أعصابه؛ بل أسرع إلى أسماء، وشدها من شعرها وبدأ يجرها خارجا كالثور الهائج، يركلها ويبصق في وجهها. لكن أسماء، كانت تكتم ألمها بكل صبر. وهكذا وصلا إلى البيت. حاول بعض الناس التدخل؛ لكن الأب كان يتوعد كل من اقترب منهما.
دخل البيت، ونهضت الأم مسرعة وهي تصرخ وتلطم خديها:
ـ ماذا يجري؟ ماذا هناك؟ لماذا تجر ابنتك هكذا؟ ماذا فعلت؟ حرام عليك، اتركها.
فدفعها الأب بعيدا، ودخل المطبخ، ثم حمل سكينا غمدها في قلب أسماء، فسفك دما طاهرا يشهد على براءة هذه الفتاة، التي عانت من ظلم هؤلاء الناس، الذين لا يعرفون شفقة ولا رحمة، بل همهم الوحيد هو مصالحهم الخاصة.

***

دفنت جثة أسماء، وقبض على الحسين بتهمة القتل العمد، ورجع أحمد إلى البيت ليعيش مع أخوتيه. أما السعدية؛ فهي الآن بإحدى المستشفيات للأمراض العقلية.

الأحبـــة… ألـــم وأمـــــل

في سجل ذاكرتنا بصمات لحظات عديدة، منها ما يطوى ولا يروى وقليلها بمثابة نجوم معدودة على صفحاتها، تضيئ جنباتها بصفاء اشعاعها، نستأنس بذكراها وتشفي الغليل بفحواها، تاج تحمله الأيام الخوالي، خطت بمداد من دم ويجدد بذكرها العزم وتحشد بسماعها الهمة ولن تنس مهما طال الزمان واندثر العمر.

لا ذوق لتلك اللحظات دون ذكر أشخاص بعينهم، يزيدون بهاءها وجمالها، إخوانا لم تلدهم أمهاتن ، أخذوا من العلم أحسنه ومن الأدب أتقنه، أصلهم من أرض خصبة طيبة مباركة، حلو كلماتهم تنساب إلى القلوب بلا استئذان، ليسوا من هواة الشهرة ولا من طلاب المناصب وكأني بلسان حالهم يقول “الحياة هي أكثر بكثير من أن نحقق الفوز لأنفسنا” لك في قلوبهم مكانة ومن دعائهم نصيب يتحدون الظروف في وقت الحاجة للوقوف بجانبك، برمجوا قلوبهم على النبض للآخرين فأسروا بذلك القلوب، يجعلون صمتك يتكلم وجراح الزمن بلقاهم تلتئم، تلوذ بهم في كل وقت وحين طلبا للاستئناس، ابتسامتهم تنطلق كبلسم شاف تاركة وقعها في الفؤاد، رسالتهم تمر بحالهم قبل مقالهم مع سمت قل له نظير، وجدتهم ككتاب مفتوح بفهرس واضحة معالمه، فكل صفحاته إن خلت من حكمة زادتك خبرة، أينما وجد فعل الخير وجدت أثرهم، لا يتركون إلا وقع همساتهم، معهم تذوب ثقافة الأسرار، همهم عظيم وما أعظمه من هم؛ لو وجد بين ثنايا جوانح حكامنا اليوم لكفانا بهم فخرا وأنَى لهم ذلك؟؟ الحب في قاموسهم تسامى عن كل تعريف يذكر، يعيدون عيش حياة الأبطال بداخلهم، سهامهم لا تخطئ الهدف لأن جل أهدافهم سامية …..

صفات ذكرتها ليست لواحد بل مفرقة كالأرزاق بينهم، أبت إلا أن تكتمل باجتماعهم معلنة أن الأرواح جنود مجندة ينادي بعضها بعضا ليكتمل القالب وتسير القافلة مع سير السحاب رغم نبح الكلاب، لكن هل دوام الحال من المحال؟؟؟

لم نضع احتمالات الفراق يوما ما ولا جال ذكرها في سويداء ذاكرتنا، ربما سعادة اللحظات أنستنا التفكير فيها، لكن بعد حين قدنا جبرا إلى اليقين والذي هو أيضا له يقين أن سنة الحياة تجري غير رغبتنا واختيارنا، هو قطار له محطات وكلنا له محطة نازل فيها دون إذن مسبق، وأثبتنا أن الأيام دول والليالي حبالى ولا بد من فراق قد كتب، والخلاصة كانت جوابا كافيا شافيا قبلناه على مضض “أن دوام الحال من المحال”.

منهم من رافقناه في لحظاته الأخيرة في سفره إلى بلاد غريبة، لم تكن في الحسبان ولم تخطر يوما على بال، نحتضنه بشدة لعلنا نحتفظ بشئ من رائحته لنستأنس بها ولو للحظات بعد فراقه، دموع تلتقي في الهواء الطلق تعانق بعضها البعض، كل الذكريات الجميلة تمر أمام عينيك على شكل شريط مدبلج أخد من اللحظات أحسنها ومن الأوقات أعذبها، يزيد كرهك للحظات الوداع حينها ثم يهمس في أذنك ليكفكف دمعك وليخفف عنك ولو قليلا من لوعة الفراق بقوله “ليس الحب أن تبقى بجانب من تحب ولكن الحب أن تبقى في قلب من تحب” حتى في الأوقات الحرجة يظل ثباتهم حاملا لواءه، ويضمدون كيانك بكلماتهم الطيبة ويجعلونها حية تتردد في مسامعك في كل وقت وحين ثم نفترق على أمل اللقاء في مقام خير من سابقه، ويبق الأمل وتستمر الحياة.

لكن أمرها أن ترافق آخر في لحظاته الأخيرة في سفره إلى حياة أخرى، إلى أصدقاء جدد تاركا الجمل بما حمل، هو سفر لم يقع اختياره عن طيب خاطر لكنه سطر من طرف حكيم خبير، هي محطة أشد من سابقتها، أمل يبقى معلقا هل من لقاء أم هناك سيزداد ألم الفراق لأنه ليس بعده لقاء، ليت وداعه كان كالذي مضى وليت الدموع سالت بأمل.

ما أعظمه من موقف وما أشده على الفؤاد، جلسة وداع غريبة، روح أعلنت مغادرتها بدون الجسد، حدد موعد الاجتماع بينهما خلسة وتم السفر، تنظر إليه وتناديه ونداء الحق يناديك “فاذا جآء آجلهم لا يستاخرون ساعة ولا يستقدمون”، هو من كان بالأمس القريب له حلم، له طموح، يحدثك عن هدفه في الحياة يقاسمك ألم وفرح اللحظات، هو من كان يشيع كل جنازة صادفها بالمسجد حيث أدى الفريضة ولكن اليوم هو من سيشيع إلى مسكن جديد، نعم سيترحم عليه الفقير المحتاج الذي كان يطعمه من ابتسامته المعهودة ومن سلامه الحار ومن سخائه وعطائه له، والجار الذي أنس بقربه ومجالسته وتوجيه أبناءه الصغار، لست الوحيد من سيفقده فحتى هرته ستذوق ألم الفراق بعد هذا اليوم وهي التي كانت تنتظره في المنزل كل يوم على أحر من الجمر ليداعبها بلغتها وتنام مطمئنة البال في مكانها بالقرب منه، ولا شك أن المسجد هو بذاته سيحزن لفقده لأنه يعرفه أشد المعرفة، كيف لا وهو من كان يحرص على نظافته ويؤنسه في صلاة الفجر لقلة عدد الوافدين عليه واليوم سيدخل عليه محمولا من غير باب المصلين ولن يصلي بل سيصلى عليه، ولن يكلف أبويه عناء الفراق وشدة البكاء لأنه فقدهما منذ زمان في حادثة سير، فعاش يتيما يحب الأيتام ويهوى البحث عنهم ليفوز بالمسح على رؤوسهم وترقيع ثوبهم من ثيابه معلنا أنه واحد منهم، أستحضر كل هذا وأنا أنظر إليه بدمع غزير مرفوق بالدعاء فقبلت رأسه ووليت خارجا أقول “هنيئا لمن بات والناس يدعون له ويا بشرى لمن أحبته القلوب وبكت لفقده الجموع”.

وحتى لا يقع النسيان نقشت أسماءهم على جدران قلبي وكتبت عبارة من خليط بين الدمع والدم في ذاكرتي “فراق الأحبة فراقان وأحلاهما مر” كي أستمتع بلحظات مع من لازال حولي وقبل أن يباغتني الفراق وأصير ضحية للندم على كل هفوة صدرت مني.

شكرا لكل الوجوه النيرة التي علمتني أن أبتسم..

شكرا لكل القلوب العفيفة التي لقنتني مبادئ الحياة..

شكرا للعقول الراقية التي أكسبتني مهارة خط الكلام..

شكرا لكل بارقة أمل زرعت في قلبي حب التفاؤل في زمن الفتن..

لكم أنتم… نعم أنتم أهدي كلامي، ولازلت أتعلم منكم وأنقل ثمرتكم لغيري لعلهم يذكرونني بخير بعد موتي.

محاولة

أحاول رسم صورة غير التي في خاطري
أحاول أن أبدا المقدمة

بكاء صبي، شقشقة عصفور،
ومواء هر في العتمة

أحاول اختراق صمتي إلى هدوء العاصفة
فأنسى رحيل النهر الغاضب وصراخ المعلمة

أحاول عبور التاريخ
لأزف رحلة الموت الجميل
للأجيال القادمة
بين الروح و بين الجسد
والدروب المظلمة

أحاول أن أبحث عن نفسي
أحاول أن أجهز رمسي
قبل أن تدركني الخاتمة.

قلبي المجروح

أحبيته أكثر من نفسي
غمرته بكل أحاسيسي
فضلته من بين ناسي
وصفته بالحجر بالماس

فجأة؟؟؟؟
استيقظت من غفوتي
وجدت نفسي أغوص
في علاقة صمت رهيب
يسكن جوانب هذا الحب العجيب
ويمحي أدق التفاصيل

أناديك أجبني
أين حبك الموعود ؟؟؟
أيناك أنت ؟؟؟

ان كنت بين حروف قلبي
سأقتلعـك من جذوري
و أعلقك في مذكرات سطوري

وان كنت تسمعني الآن فواجهني ؟؟
بالسيوف و الخناجر
لا بـــالــــــــصـــــــــــــــمــــــــت
الذي يبعثر وجودي.

ملاذ من لا ملاذ له (الجزء الاول)

دخلت خائفا مذعورا من كثرة الإزدحام و الغوغاء اللامتناهي الذي يعم المكان، فسمعت صراخا خلفي فإذا هو منكر مبين؛ لصان يمارسان هواياتهما في النصب القسري و الاستلاء على كل من سولت له نفسه الركوب فوق هذا العجب المتحرك، الضحية هذه المرة كان شيخا؛ فلم يرحموه لعجزه و لا لكبر سنه، و لكن وجدوا فيه ضالتهم بما أن جيبه يحوي حمالة نقود بادية للعيان. حاولت استراق النظر الى تفاصيل الحدث بيد أنني تحسست أياد خفية تتسلل إلى جيوبي، فعدلت عن القرار و تزحزحت إلى الأمام اتقاءا لشرهم المستطير و حتى لا أكون الضحية القادمة.

عند مكان وقوف الحافلة ينزل الشيخ من الباب الخلفي متثاقلا كمن مر في ديوانة لم تبقي على فلس واحد مما يملك فيغادر بأقل الخسائر الممكنة… أما الذين أكرموا وفادته في الحافلة فيبدوا أنهم لم يقنعوا بالغنيمة وواصلوا زحفهم بحثا عن جيوب ممتلئة…

تقف الحافلة في موقف آخر، يصعد من يصعد و ينزل من ينزل. تطيل الحافلة من وقوفها فأرى الأعناق تشرئب إلى الأمام فسألت أحدهم فقال: إنه ‘الكنترول’…

عفوا؟ لا أدري ماذا كان يقصد بذلك غير أن إسم (الكنترول) يوحي إلي بالتفتيش، رأيت ورقة الركوب في يد أحدهم فتذكرت أنني لم أقطع تذكرتي فهرولت إلى الوراء لقطعها لكن الأوان قد فات.

يصعد ثلاث رجال غلاظ شداد يخترقون الحافلة طولا و عرضا بحثا عن فريسة لم تؤدي حقها فظننت أنني النموذج الأمثل و الفريسة الأسهل.

بعد مخاض عسير سلمت من قبضة المراقبين أخيرا، و اكتفوا بإنزالنا من على الحافلة فنزلنا ننتظر أخرى…

الناس تتقاطر على المكان و الوقت يمر ثقيلا و الشمس حارقة جعلت العديد يبحث عن ظل يستظل به ريثما يلوح في الأفق شبح أزرق يشبه الحافلة… الناس تزدحم و تنتظر كمن يتأهب لاستقبال حاج في المطار، لكن الحقيقة غير ذلك فقد سئموا الإنتظار و أرادوا الخلاص و لا بديل عن تلك الحافلة…

أخيرا تلوح إحداها في الأفق، فترى الناس تجعل هواتفها في محافظها و تهرول للقتال على موطا قدم في دهاليز الحافلة… تقترب الحافلة مؤشرة للوقوف فيتسابق إليها الجميع …لكن سائقها اختار أن يخذل الكل ولم تتوقف الحافلة… فلا يسعنا إلا النظر الى ذلك الشيء الغريب و هو يتحرك مخلفا وراءه عتمات من الدخان الكثيف… يتبعها الجميع بنظرات أخفق في تشفير مراميها…

عدت إلى المكان المعتاد أنتظر، فلمحت أن بعض من نفذ صبره و اقترب أجله اختار أن يستقيل سيارة أجرة و يضحي بخمسة دراهم لا شك في أنه سيرثيها في طريقه، أما أنا فلا أزال أنتظر…

هاهي ذي حافلة أخرى قادمة بعد أن هممت بالانصراف، أصعد أخيرا و أحشر نفسي مع زمرة الصاعدين وتسير بنا الحافلة ببطء شديد كأنها محملة بجلاميد من الحديد … كانت أشبه بفرن قديم نتصبب داخله عرقا و روائح من كل الأصناف تلف المكان و أنواع من البشر – بين الحمقى و السكارى و الطلبة و المستخدمين  – يتزاحمون بشكل رهيب فعلمت أن هذه الحافلة ليست ككل الحافلات التي عهدتها.

كذلك كنت أفكر و أنا أستقيل هذه الحافلة لأول مرة في حياتي و علمت حينها أن هذا الشيء الذي أنا على متنه إنما هو مكان تناقضات و منبع تساؤلات و ملجا كل من يريد امتهان السرقة …

أصل الى المكان المقصود وأذهب في اتجاه الأمام منهكا ثم أنزل اخيرا .. استدرت فرأيت طالبا فاستفسرته عما شاهدته من أمر هذه الحافلة فاكتفى بقوله : إنه “الفانتيان”.

تملكني الفضول و أردت معرفة كم من الوقت استغرق هذا “الفانتيان” للوصول الى الكلية فوضعت يدي أتحسس هاتفي المحمول فلم أجده… فعلمت كل شيء..