بَلْسَمُك

مُتدحْرجا
حجرا يترنَّح وجهك صارخا
يرومُ سكينه
ينتظر كبْوة بعد كبْوة
يتأوَّه ينادي المَدى
يشْتاق سفينه
يرْتدي أحْزانه
هائماً متقلبا
يشْكو العدى والردى
أفراحُه دفينه.

أيُّها الهائم الخائر المرْتابْ
بين يديك بلسَمٌ
نفحات كتاب يفسح الطريق
يَنْسف الحريق
ينشُر فرحة تمتد توًّا
تغمر برَّك وبحْرك

بين يديك كتاب آيٍ
فاسحبْ أحزانك بنظرة في أسراره
وبنفحة منْ جنانه ولمْعة منْ أنواره
كتابُ الله بَلسمك
فاغرِفْ من معينه وبحار سنائه.

ارحميها يا عدالة السماء

يا ملائكة السماء شدي بتلابيبي من السقوط وأعيدي إلى عيني النور الذي أفقدتنه الفاجعة، احميني من وشك الإغماء… يا من كتب الموت علينا حقا ارحم ضعفي من موت عزيز غرت به الحياة، ارحمني لأتحمل أكبر خسارات العمر، رحماك فأنا صريع تنبشه الهواجس والأحلام وتعيش على جثته ذاكرة الأيام ، ارحمني لأعيش ثوانيا أرثي فيها مفقودي وأبكي عليه ما تبقى من حياتي لعلني أوصل إليه بعضا من حسراتي وندامتي وذنبي الذي لا يغتفر.. تمهل يا ملك الموت… فأنت تقطف روح ملاك يعيش بين البشر، تمهل وانتشلها ببطء وحذار أن توقظها فهي نائمة، وإلا حلت عليك لعنة الملائكة… قل لحراس القبر أن استعدا لاستقبال نفس طائعة أبية…

يا ملاكَي القبر اظهرا احتراما، فعمتي الفاضلة بين أيديكم فأثبتوا عندما تسألكم: من ربكم؟.. أخبرنها يا ملائكة القبر عن تعيس ينخره الشقاء بعد ذهابها من حياة الأحياء، أخبرنها عن صغيرتها وعن أشياءها التي رحلت عنها، وقلن لها إنني أجثو أمامها باكيا كل مساء، اطلبي منها الغفران لتائه أفسدت عليه الغربة رؤية وجهها حتى ولو بعد الوفاة..

حدثيها عن مصابي الجلل، عن حرقتي وجفاف حلقي، عن ضعفي وقصر حيلتي… عن يتم العمة الذي يشبه يتم الأبوين… فلا تخذليني يا ملائكة السماء وافعلي كل ما يليق بسمو المقام…

أخبريها عن ماض بعيد لم يبق لي منه سوى دموع مدرار وذكريات مصورة أندتها عبراتي حتى ترهلت، أخبريها كم كنت بأحضانها وكم ناديتها أمي… حدثيها عن أيام الحصاد عندما أرقد بجانبها فتُنسيني غياب أمي.. حدثيها عن صغير أعدت له الطعام فاشتهاها.. عن صغير دثرته في ليالي الشتاء الطويلة عندما انصرفت أمه إلى أعباء الحياة…

حدثيها عن مسافات قطعناها سويا في الأجمة لجلب الحشائش للأبقار… ذكريها بمواسم جني اللوز في حرارة الصيف وسنوات الربيع في ثغور “طاطا” .. عدي عليها حسناتي علها تغفر لي خطيئتي الكبرى، فلا عذر لدي اليوم أثبت به براءتي، أأقول لها إن بعدك قطع عني صلة الرحم؟ أم أتذرع لها بالركض والدراسة؟ … محال أن نتذرع بهاته الترهات للأموات، فتعلمين أيتها الملائكة أن الوقت والزمان لا معنى لهما في حضرة المنية، وأن ذرائعي تبدو حينها كمحاولة نملة لإخفاء فيل…

ها أنذا عابس الوجه، متعب وحزين ليس لأنني أقف في وجه إرادة السماء، فالهه الذي أودع في عمتي روحا في الرحم هو من أخذها منها على سرير السقم، بل أبكي على فراق لم تتحمله قواي، أبكي على معاناتها مع المرض قبل الرحيل، أبكي على خسارة قلب حنين في عز العمر، أبكي على زهرة تفتقت أمام ناظري وفجأة طيرتها الريح من أمام عيني من دون إنذار ولا استئذان، أبكي على إحساسها عند المغادرة وهي تودع طفلتها الصغيرة وراءها…

… فارحمي يا عدالة السماء عزيزا أذلته الحياة بمخالب الموت، وأراه الدهر قيمة الحياة بمرآة المنايا… ارحمي حياة دخلتها الأحزان برحيل حياة لدار الخلد… ارحمي نفسا مطمئنة فقدتها الديار واحقنيني مزيدا من الجلد حتى ألقاها في الجنة وأشبع من رؤية صورتها للأبد، وأنتقم من الزمان الذي لا يجيد سوى خطف الأخيار… فأنا لن أودعك ولن أنشد على قبرك مقطوعة وداع الأحبة، بل يكفيني أن أقول لك: إلى اللقاء يا عمتي… إلى اللقاء…

في بلاط بائع الفواكه

بائع الفواكه

كتب لي ذات يوم أن أقف على بلاط من لا يرتبط اسمه بتعابير المعالي أو الجلالة، كنت أجده مرابطا كل يوم على طريق سريع سيار، لا تسمع فيه سوى لغو وهدير المحركات المتتابعة والذي يتوقف بفواصل متلاحقة من الصمت. كان متقدم السن طويلا وأسمراً، لا تفارقه قبعة رياضية رمادية بالية يقي بها شر الحر وأشعة الشمس العربية المتوقدة التي تبدو كالقرص في لب السماء، وهو يرتدي قميصاً صيفياً متعدد الألوان، وسروالا بني باهتاً و نعلا تقليدياً جلدياً.

كنت أراه كل يوم وهو يجر عربيته الخشبية الثقيلة على طول الطريق إلى أن يجد مكانه المحبب والدائم إلى أن يستقر فيه، كانت عربته تضم بعض أصناف الفواكه وهي الليمون والبطيخ الأحمر والأصفر. فأما الليمون فكان يرصفه في قناني حسب أوزانه اختصاراً للوقت، وأما البطيخ فكان يرصفه الواحدة بعد الواحدة متراصفات متقاربات، كان ينتظر السيارات المسرعة إلى أن تتوقف إحداها فيبيعها منتوجه.

كان يضع أمامه قنينة ماء ويجلس على كرسي خشبي، يستمع صوت الطرقات. ثارة أراه يمسك الميزان يتفقده، يتفقد وحداته و ثارة أخرى يرتب ويرصف بضاعته. إلى أن وقفت سيارة فارهة ذات دفع رباعي وعجلات كبيرة، فاستمرت في التباطىء على أعتاب صاحبنا، فتحت النافذة وأخرج سائقها يده منها وكانت تظهر عليه مظاهر الثراء ثم أخد يلوح بيده يميناً ويساراً. أسرع صاحبنا مهرولا وتظهر عليه الابتسامة، لم تنل الشمس نشاطه ولم  يتقل الانتظار حركته، طلب الزبون كميات كبيرة من الليمون الموضوع في القناني وأخد صاحبنا العنيد يرصفها في صندوق السيارة الخلفي واحدة بعد واحدة، وما إن أقفل الصندوق حتى أسرع زبونه بالرحيل.

تسمر بائع الفواكه في مكانه وشحب وجهه وكاد السقوط وعليه الحيرة، ألا يجب دفع الحساب هكذا كان يتساءل، ثم رأيت دموعه المتناترة واحدة بعد واحدة تسقط كأنها النيازك وأنا المراقب من بعيد، يكاد كبريائه يخفيها فأخرج منديله الأييض من جيب قميصه وأخد يمسح وجرحه مازال ينزف. عندها أيقنت أنني أرى شرف العمل الحلال في بلاط بائع الفواكه؟؟؟

غياب بفصول إضافية

مع هذا الغياب تتحرش بي أشياؤك..
هناك زوابع تركتها أنفاسك ترفع فستاني وتكشف عن جنون ما
أستنشق إثره رائحة سيجارتك فتتغلغل في أوردتي كمخدر..

عند أول نفحة من نسيم أنفاسك
تنبت بداخلي ألف وردة
وألف نرجسة وعالم من الياسمين

تولد بأعماقي أنثى مجنونة
تعتلي عرش حبك
ومن أنفاسها تصنع عطرا ينشيك

يتفتح الورد على الشفاه
وعلى الخدين تسقط شقائق النعمان
أنزع الخمار عن النظرات..
وعروقي يسري فيها رحيق فتصير كالمرجان

تتفجر ينابيع الهوى بأعماقي
أنفاسك تسكنني
تجعلني ربيعا
بل تجعلني عمرا بفصول إضافية
بجنون إضافي

في هذا الغياب..
يغريني صدى صمتك
نظرات الجدران التي تجردني من ردائي
ومرايا تجملني وتحملني من غيابك إليك

تولد لي ألف يد منك
تلامس الجنون بأعماقي
توصلني الى ذروة الشوق
أصرخ
أنادي..
فلا يجيبني سوى الغياب..

يا لخيبتك…!

“يا لـ خيبتك …!!”

فح الصوت خافتا من خلال سماعة الهاتف.

فتحت عيني وصرخت:

– ماذا…؟ من أنت…؟؟

أغلقت السماعة في الطرف الآخر على عجل. فوضعت من طرفي سماعة الهاتف.

تجولت بنظراتي في زوايا الغرفة. كان الوقت ما زال ليلا. تساءلت:

– من هذا الذي نغص علي نومي؟ وماذا قصد بقوله “يالـ خيبتك..؟” ربما كان أحد المزعجين.

حاولت الإغفاء من جديد. وما أن انحدرت في السبات شيئا فشيئاً حتى سمعت خشخشة سماعة الجامع القريب، فكرت “يبدو أنه آذان الفجر”. حاولت التغاضي عن ذلك لكن عاد الفحيح يتسلل إلى أذني من سماعة الجامع: “يا لخيبتك…!!”

نهضت جالسا فوق السرير مستفزاً  كل حواسي، لكني لم أسمع خشخشة أو آذانا، حاولت النوم من جديد. لكن  حواسي عاندتني ورفضت ذلك.

״حسنا لأبدأ نهاري إذن״ قلت في داخلي.

نهضت عن سريري. توجهت  إلى الحمام، تبولت، وتبرزت عند ذلك فح الصوت من جديد “يا لخيبتك”. نهضت مسرعا ونظرت إلى أسفل فلم أكتشف شيئا.

جلست على الشاطفة. غسلت قفاي. فكرت وأنا أقرفص:

״إن هذا الاختراع من أروع ما توصلت إليه البشرية..!!״

نهضت وغسلت أسناني بنفس الطريقة التي علمتني إياها طبيبة الأسنان، وذلك بأن أحرك الفرشاة بشكل دائري على أسناني، وليس بشكل أفقي أو عمودي، حلقت ذقني. خلعت ملابسي وانزلقت بجسدي تحت ״الدش״. غطيت جسمي بالصابون وعندما فتحت صنبور الماء فح الصوت من جديد:

“يا لخيبتك…!!”

قفزت من تحت الماء، ومسحت كتل الرغوة عن عيني، فلم أر شيئا، كان الماء يجري  منزلقا نحو الأسفل، ثم ينحدر في المجرى مصدراً خريراً ناعماً. حشرت جسدي تحت الماء من جديد. شطفت الرغوة عن جسمي برشاش الماء. جففت نفسي. وارتديت البيجامة. فكرت قليلاً بينما كنت خارجاً:

“لماذا لم يستيقظ أحد من أهل البيت؟” لا يهم.

توجهت إلى المطبخ. ملأت “غلاية” القهوة ماءً، ووضعتها فوق الغاز. حركت قفل الغاز مرة وأخرى  وأخرى…

أدرت مفتاح البوتغاز نحو اليمين.

طق… طق… طق.. “يا لخيبتك…!!”

رفعت غلاية القهوة ونظرت تحتها..! لا شيء، وعلى جانبي البتوغاز ״لا شيء״ وتحته ״لا شيء״.

״لا بأس لأرتشف  قهوتي وأستعد للخروج״.

أكملت ارتشاف الفنجان. وأنهيت استعداداتي، وخرجت. كان الوقت أول الصباح وآخر العتم وعلى الدرج اصطدم بي جسم لم أتبين ملامحه، وفح ״يا لخيبتك…!!״

صرخت: ״اسمع.. أنت.. ماذا قلت..؟״

لم يجبني واختفى  في حنايا الدرج.. أكملت طريقي نحو سيارتي الخاصة وفتحت الباب. جلست على المقعد. عدلت من وضعه، ووضع المرآة. أدرت مفتاح ״السويتش״ فانطلق صوت ״الماتور״:

فررررررررر ثم ״يا لخيبتك”. أطفأت ماتور السيارة وأصخت السمع.. لا شيء… حسنا يبدو أني أُصبت بالوسواس. أعدت تشغيل السيارة من جديد فعاد الفحيح “يا لخيبتك!!”، لكني تجاهلته.. أدرت ماسحات المطر حتى أصبحت الرؤية واضحة… أعددت السيارة في وضع الرجوع، وضغطت بقدمي اليمنى على دواسة البنزين فبدأت السيارة في الرجوع للخلف. خمسة أقدام… عشرة… ستة وعشرين، وأصبحت في مواجهة الشارع، وكان الفحيح مصاحبا لكل قدم لكني تجاهلته. عدلت من وضع القيادة وانطلقت إلى الأمام نحو مقر عملي يصاحبني الفحيح إياه. منذ عشرين عاماً وأنا أسلك نفس الطريق صباحاً ومساءً ولم أسمع هذا الصوت. فلماذا يصدر اليوم؟َ ربما كان موجودا ولكني لم أكن أنتبه له. أخيرا وصلت الشركة التي أعمل بها. ركنت السيارة في المرآب المقابل، نزلت من السيارة، توجهت نحو باب الشركة. لم يكن هناك أحد من الموظفين في الشارع. لم أستغرب ״فربما مازال الوقت باكرا. مالي ولهذا فأنا عادة أحضر إلى العمل باكرا وأحيانا قبل أن يحضر الحارس״.

عندما وصلت باب الشركة الزجاجي وجدته مغلقا والحارس يقف خلفه، وعندما رآني قال:

خير يا أستاذ؟… ما الذي  أتى بك؟!

أجبته: “أغريب أن آتي إلى العمل؟!״

أجابني: “ليس غريبا في أيام الدوام ولكن اليوم بداية عطلة عيد الفطر… والشركة مغلقة״…

فجأة تذكرت أني من أصدر تعميم عطلة العيد للموظفين. قلت للحارس البواب:

أنا آسف  يبدو أني نسيت.

أدرت ظهري مبتعداً فثقب أذني فحيحه: ״يا لخيبتك.. ويا مسكين״ لم أعره اهتماما وتوجهت نحو المرآب. دخلت فارهتي الخاصة. وانطلقت بها أجوب شوارع المدينة. كانت الشوارع خالية إلا من بعض المتوجهين إلى الجامع لأداء صلاة العيد، كانوا يسيرون بخطى ثابتة موحدة تعودوا عليها عشرات المرات. ليس خطواتهم فقط موحدة، بل وملابسهم أيضا، وتسريحة شعورهم أيضا، ولحاهم،  وعطورهم النفاذة. وطريقة تحيتهم وهم يتوجهون فرادى وجماعات نحو نفس المكان. مللت  من مراقبتهم فتوجهت إلى الميدان الرئيس في وسط المدينة. كان الميدان عبارة عن مجموعة من الدوائر الحجرية تلتف حول بعضها تتوسطها دائرة مكتظة بالأسود الرخامية ومغمورة بالماء حتى منتصفها.

درت بالسيارة حول الدائرة الخارجية مرة اثنتين.. ثلاثة… و”يا لخيبتك!!” مع كل دورة. خلال دقائق إمتلأ الميدان بعشرات السيارات وآلاف المشاة الذين كانوا يتبعونني. فجأة نهض كبير الأسود الحجرية عن قفاه وزمجر:

“يا لخيبتكم…! يا لخيبتكم…! يا لخيبتكم…!” ثم تبعته جميع الوحوش الحجرية:

يـــا لخيبتــكـــــم…!!!!

دعيني أتنفس

دعيني أتنفسدعيني أحبك دعيني…
دعيني كما أريد،،
دعيني أحبك بألمك،،
بحزنك،،
بفرحك،،
بهمك،،
المهم،، دعيني أحبك…

دعيني أرسم في خيالي لكـ قصوراً من العاج،،
سقفها من السماء،،
وأرضها من الماء،،

دعيني أحضنكـ،،
أقبلكـ،،
أحملكـ،،

دعيني أرتاح،، أتنفس،،
وأموت بين ذراعيكـ،،
دعيني…

رحلة على الطائرة

رحلة على الطائرةتوقفي يا طائرة
لبرهة توقفي
خذيني يا طائرة
لأحلق معك

اجعليني صحبة لركابك يا طائرة
حمليني من أرض عشت فيها مجزرة

توقفي يا طائرة
لبرهة توقفي
بين السحاب حلمي عندك يا طائرة
احمليني لعالم أبيض يا طائرة
حيث الغيم يرقص والشمس ساطعة
والأحزان تختفي والأحزان الآسرة

توقفي يا طائرة لبرهة توقفي
لأسافر بعيدا دون عودة ولا وداع
حتى أجوب السماء الواسعة
بعيدا عن أنين طفل رضيع وأم حائرة
وعن صراخ أرض يائسة
و عن فساد ينخر أبناء ضائعة

كرهت شرب دماء أبرياء مجاهدة
لم تعرف وجهة ولم تسمع موعظة

خذيني لنجوم نورها لا يخفي وراءه مشكلة
خذيني حتى أرى كيف يكون شكل السلطان على بعد مسافات هائلة
وكيف يصير الأسد نملة وسط أناس طاهرة
وكيف يحجب نور الكعبة رؤية قصورهم الشامخة

دعيني أتعلم من الطيور أخلاقا في بلادي تسمى تخلفا
ارتفعي لعلني أقترب شبرا من إله يرى الناس أوضح بكثير مني وأنا عليك يا طائرة.