حاجتنا للخيال

imagination-fertile

بنج تسونغ ” مواطن صيني يشتغل عاملا فنيا بإحدى الشركات العاملة في قطاع الاتصالات ،في إحدى ليالي سنة 2003 رأى في منامه أنه يحلق في الفضاء الرحب مما منحه شعورا مفعما بالنشوة والسعادة لم يعهده من قبل،فعمل جاهدا على أن يحقق حلمه،حلم كلفه كل مايملك من مدخرات حياته( حوالي 22 ألف دولار أمريكي) لصنع طائرة مروحية صغيرة حلقت به يوم 25 أكتوبر 2008 على ارتفاع 320 مترا لمسافة خمسة كيلومترات، لتكتمل سعادته بموافقة اللجنة المنظمة لمعرض الصين الدولي السابعة للطيران والفضاء بمدينة توشهاي جنوب الصين على عرض طائرته اعترافا به وتقديرا لعبقريته وقوة إصراره(*).

لا سبيل للشك أن العالم الذي نحياه آن اللحظة لا يمت بالعوالم السابقة بأية وشيجة ، عالم تبنى الثورة –الطفرة في كل شيء بسلاح اسمه خيال العقل البشري ، وهذا ليس بإفراط في المثالية والتجريد ولكن اليقين يخبرني وإياكم أن هذا التقدم المادي الذي نعاصره في مختلف مناحي حياتنا الإنسانية اندلق من رحم الخيال،وأصبحنا بلا ريب نلمس تقابلا وتقاطعا بين عالم التمثيلات الواقعية وعالم التمثيلات المتخيلة الخصبة والمتجددة .

فلولا الخيال ماكنا نحلق عاليا مثل السيد بنج تسونغ.

ولولا الخيال ماكنا نلتقط صورا لأهلنا وأحبتنا نعاند بها حرقة و لوعة الفراق عنهم.

ولولا ماكنا نتناول وجبة فطورنا بالمغرب ووجبة غذائنا بالمشرق.

ولولا الخيال ماكنا …وماكنا…وماكنا…

ولعلي هنا أتسأل هل يمكن للخيال أن ينمو ويطول إلى أبعد حدوده الغير المنتهية تحت ظل أية بيئة-واقع؟

للأسف فان الجواب الأمين على هذا السؤال لا يبعث على السرور ف ذلك أن الواقع- وواقعنا العربي بالتحديد -لا يسمح لنا بهامش نلتقط فيه أنفاسنا ،فمن شدة قسوته وفظاظته تعطلت وفي أحسن الأحوال ترهلت فينا روح الخيال، ومن المفيد والأجدر دائما أن نفتح عيوننا وعقولنا لنستعيد أنفسنا ودواتنا الأصيلة،جاءت اللحظة التي تقضي أن نجدد فيها فكرنا وأذهاننا وننفض الغبار، ونطرد العناكب الفكرية الجامدة، التي ابتلعت أجيالا ومازالت تبتلع أخرى، ولعمري هذا هو سبيلنا لخلق هامش- ولو ضيق –نطلق فيه العنان لخيالنا كي يرتع ومن تم يبدع.

دامت لكم متعة الخيال.

(*) حكاية وردت في كتاب : الخيال -من الكهف إلى الواقع الافتراضي- تأليف د.شاكر عبد الحميد اصدرات عالم المعرفة عدد 360.

(مصدر الصورة)

صرخة ثائر

صرخة ثائر (قصيدة على الكامل)

pochette-revolution-pen ما هكذا يـــــــا ذا السيـــاط ستذهب                 ما عـــــاد منـــــي ملجأ أو مهرب

آن الأوان لأطفـــــــئ الجمر الذي                  بوقـــــود حقدك عشت دهرا تلهب

قد ضقت ذرعـــا بالوعود وإننـــي                  لا لــن أنفذ مــــــا تقـــول وتطلـب

اعتدت ضربي إن أسأت تصرفــا                    فلم الأباطر إن عصوا لا تضــرب

وإذا شدوت كــعندلــــيب لـمتنــي                   وإذا لغـــا ذاك الغـــراب لتطــرب

قد خلت أنــي إن صبرت فربمـــا                    تحنو، وفي عفو الغفور سترغــب

طـــال العذاب وكلما اشتد اللظى                   قلت انتظر.. الفجر حتمـا يـقــرب

ها أنت قد شابت سيوفك وانتهــت                   أيــــام مجـد مـــا ظننت سيشحـب

لـو كنت يـــوسف أو كمثل محمد                   مـــا نلت منك، ونلت عفوا تطلـب

لــــــكن بمـــا عذبتني يا ظــالما                    ستذوق من مـــاء العذاب وتشرب

حتـــى إذا اقترب المغيب أمرتهم                   أن بالرقــاب وبالتراقي فاضربــوا

(مصدر الصورة)

جسد بين القلب والعقل!!

heart_mind

مساءُ الشوق يا طفولتي البعيدة

مساءُ ذكرى..

في جوفي بضعُ أنفاسٍ مخنوقة

تترجى الخروج

كامنةٌ في أعماقي الطفولية

أخشى عليها من الغرق في المروج

والموت بطعنة واقعٍ حادٍ

أو يبتلعها بحرٌ بالحسرةِ يمُوج!!

فيا صُور ملَّت رؤيتي

ومرايا سئِمت مُقلتي

كيف لي الخروج؟!

من أمسٍ يسكنني

وكيف له مني الخروج!؟

قلبي القديم كذكرياتي

يحكم الأمس قبضته عليه

يحكمها جيدا..

حتى يكاد يتوقف عن النبض

يحفر بالسيف تلك الطفولة القصيرة

كعمر الفرحات

على جدران القلب المشقوقة

كأرضٍ جرداء

ذاك القلب القديم كأمسي

أتراه يذكرني

أم أنه جسد في صدري

وروح في أعماق الذكريات!!

وهذا العقل الذي

توقف في أمسي الماضي

رافض اللحاق بالأيام

رافض الخروج من الأحلام

تحاصره الأماسي

ويظل بعيدا عني

عقل مسافر

في الوحدة يقاسي

وهذا الجسد الذابل

كزنبقة هجرتها الفصول

يظل بين العقل والقلب

قابعا على رصيف الحيرة

مشردا..

أو كعابر سبيل في حلم لن يتحقق

/

بقلمي: أسماء أخزان

تحياتي

(مصدر الصورة)

حديث الورقة

write

كانت حكايته معها تتكرر كلما اجتاحه هم الفضفضة.

في إحدى المرات التي لا تختلف عن مثيلاتها، أخده الشوق إلى البحث عن واحدة جديدة. وكان قد قضى جزءا غير يسير يهيم في دروب البلدة وينزوي في أركان المقهى دون أن ينغص حياته منغص، إلى أن سمع وهو يرتشف فنجان القهوة موالا عن الدنيا والحرمان والفراق والوجدان. انتفض منتصبا ومستعجلا نحو نادل المقهى ليدفع له ثمن سوداوية القهوة، ثم هرع غير آبه بمن حوله إلى أن دلف منزله العتيق. اخترق أروقته نحو ملجأه قاصدا غرفته الصغيرة المظلمة، أضاءها وراح يفتش عن صاحبته بين الكتب القديمة والجديدة التي كدسها في الركن وصارت شوامخ تقارع سقف الغرفة.

أمسك بالأولى وتذكر حالته الكئيبة وهو يستجدي الحنان، وأمسك بالثانية فأيقظت فيه الذكرى وهو يقول لها بكبرياء مصطنع أنه غير آبه بالفراق، وامسك بالثالثة والرابعة والخامسة…

كانت تتناسل كالجراد وكل واحدة كانت تحي فيه الفصول الأربعة، فيعصف ويرعد ويبرق ويمطر فيزهر وينشرح ويعبق ويذبل ويتهشم فينتثر…

لكل واحدة كانت له معها حكاية، ولكل حكاية خطت على وجهه تجعيدة وصبغت شعرة من رأسه بالأبيض.

أطلق تنهيدة عميقة أوقفت سيل الذكريات التي انهمرت عليه، وراح يقلب من جديد والأمل والطمع في عينيه.

أضناه البحث ومنهزما ارتمى على الأريكة بجسده النحيل. ولحسن أو لسوء حظه بدت له أطرافها، وكانت تتستر خلف جريدة بدت وكأنها تتلصص عليه بنصف عين وتحدث نفسها لعله لا يراني، وبلهفة أمسك بجانبها وملوحا بها صرخ كالطفل وجدتها!

أقعدها على مكتبه، ومحملقا في وجهها سحره بياضه، وبأطراف أنامله تحسسه كالأعمى فوجده ناعما لم تنل منه السنون غير تعاقبها.

تناول قلم الرصاص ولبرهة تجمدت يداه. لم يجد ما يقوله لها. فقد انتشلته عذريتها من نزوته وأخذت معها كل كلمات الهوى فصار أخرسا. وامتدت البرهة وطالت. ومتكئا على راحة يده اليسرى وعيناه تتفحص ولا تفارق وجهها، سمع قهقهة صادرة منها أعقبتها بقوله اليوم أراك عاجزا عن البوح. مداريا دهشته أجاب مهددا لو شئت للطخت وجهك ورفقا بك فإنني أنتقي كلماتي.

ردت عليه: وماعساك تقول فقولك صار مكررا وكل ماعلق بقلبك علمت به.

مستغربا سألها: كيف؟!

أجابته: أعلم كل شيء عنك؛ عن الحبيبة التي فارقتك والحبيبة التي فارقتها قبل أن تمتد إليها يد القدر وعن حبيبة الطفولة وحبيبة المراهقة وعن الحبيبة التي تعرف أحزانك ومسراتك؛ نقط قوتك وضعفك… أفهمت؟

رد عليها مجيبا وغير مقر: نعم فهمت.

ردت عليه بتحد: والآن؟

قال وبسمة النصر ترتسم على فمه: الآن وقد أعياني هم اقتفاء الكلمات وتلاعبت بي الألفاظ وصرت سجين الحروف والقلم وعبدا لأهلك أنتن يا معشر الأوراق، فاليوم وداعا للكتابة ومرحى باللعب والرقص…

وبقلم الرصاص طفق على وجهها وهو يقول شامتا أترين…أترين…

أحس بيد أمه تحط على كتفه وهي تقول له مباغثة: أعدت للحديث مع الأوراق يا بني؟

رفع عينه نحو أمه وبسمة البراءة بسمته، ثم قال: نعم.

(مصدر الصورة)

إلى مسارٍ مجهول

uknown way

حين كنتُ صغيرة بدا لي كل شئ سهل الحصول عليه، ابتداءً من الطعام ونهاية بالشراب، لا يوجد شئ صعب، يكبر الطموح دائما بعلو الهمة ومهما علت الهمة أحيانا، فواقعنا يُعطينا صفعة على الوجنتان لنستفيق ونرسم همم واقعية أكثر وضوحاً ودقة.

كنت أحب المواد العلمية والأدبية على السواء، فرسمني أبي طبيبة ورسمتني أمي معلمة ولكن يبقى السؤال:

كيف رسمتُ أنا نفسي؟؟؟

رسمتُ عالمي بضخامة فعزمت أن أسلك الشعبة العلمية وأن أتخصص بالعلوم وأن أكون طبيبة للأطفال، وهكذا كان طموحي طبيبة يا فلانة للأطفال لأنني عانيت من الأطباء الذكور حين كنتُ صغيرة وكنت أُحدث مصارعة في العيادة وقت الكشف للتكشف أمام الطبيب، لذلك قررت أن أكون طبيبة بتاء مربوطة للأطفال.

وما أجمله من حلم بريء ،بقي هذا الحلم حتى سنة 2006 حيث كنتُ بالمغرب وأثناء ذلك في أحد الأيام اصطحبتني جدتي عند بائع الدواجن فرأيت جدتي تشير على هذه الدجاجة وتلك الدجاجة والمنظر غير مألوف عندي أبدا فلطالما أبي كان هو من يحضر الدجاج المجمد أو المبرد من المتجر وبعدها أخذ البائع الدجاجتان وقام بذبحهما فقامت ضجة في الأرض فارتفعت فوق عتبة حتى أشاهد مايحدث في الأسفل، وما إن شاهدت الأرض والدماء حتى انتفضت من مكاني كطفلة تصرخ تريد العودة الى المنزل، وفي يوم آخر حضرت مصارعه دموية في أحد الأحياء فأغمي علي بعدها وبعد الاغماء بدأ التساؤل.

أيمكنني أن أكون طبيبة وأعالج الجروح وأرى الدماء وفتحت عيني ونطقتها بكل جرأة لا أستطيع أن أكون كذلك فأنا أخاف ، واكتشفت بعدها أنني أخاف من المشاهد الدموية ، فشطبت على ذاك الحلم الذي كان طبيبة أطفال وليبقى الا أسبوع حتى أحدد الشعبة التي يجب أن أتجه اليها فقلت في نفسي أريد أن أكون طبيبة ولكن طبيبة علم نفس وعلى إثرها تم اختيار شعبة الآداب.

ربما طموحي الواسع وهمتي الكبيرة دفعتني لذاك الاختيار فمازلت أرى كل شيئ سهل الحصول عليه ،وبما أن علم النفس يتم تدريسه في شعبة الآداب بالمملكة العربية السعودية فقررت اختيار شعبة الاداب من اجل ذاك الحلم (طبيبة نفسية) وما لبثتُ شهر في الشعبة حتى بدأت مضايقات من قبل الطالبات تترصدني فلم أتحمل الوضع أبدا حتى أصبحت عصبية وحادة المزاج، فسألني أبي يوما هل أنت ستكونين طبيبة نفسية لا أظن، فقلتُ في نفسي لماذا؟؟

حتى نطقها أحدهم: أنتِ وحدك يلزمك طبيب نفسي، وتلك العبارة غيرت مصير حياتي، حيث تلك العبارة أثرت بداخلي بشكل كبير وكأن كل شئ بات سرابا.

بيت القصيد يكمل في أحلام الطفولة التي نحلمها، ليس شرطاً أن تكون حقيقية لأننا نرى كل شئ سهل الحصول عليه، فحين أصعد الطائر وأثناء ارتفاعها عن سطع الأرض أصرخ بأن باستطاعتي حمل الطائرات بيدي لأن أثناء ارتفاعي يظهر لي كل شئ صغير، هكذا الهمة ولكن هناك أمور يجب أن نقيسها حتى نتأكد هل نحن أصحاب تلك الأحلام المحاكة أم نحن التابعين لأصحاب فشلوا في تحقيق أحلامهم أو أشخاص يروننا برؤياهم الخاصة كيف سنكون؟؟؟

الطموح سلم لانهاية، والهمم عالية وشامخة شموخ الجبال، ولكن أحيانا بمشهد صغير نكتشف حقيقة أنفسنا ويتغير مسار طريقنا، وأحيانا بعبارة عابرة يتحطم الطموح ويتغير المسار إلى مسار مجهول..

بقلمي: عبير أكوام (21/10/2009)

(مصدر الصورة)

حتى هي.. يمكن أن تعشق

pomme

تتسمر دائما دون حراك، كلما دخل الفصل، وتنتظر التفاتة منه أو دغدغة بين الفينة والأخرى، كانت تغار إذا أكثر الحديث مع إحدى طالباته رغم أنها تسمع وترى كل ما يجري ولا شيء في حديثهما يدعو للغيرة. لكنها كانت تلاحظ مسارعة الحاضرات، كلما التفت إليها وانشغل بها عنهن، إلى إخراج ما حوت محفظاتهن من مرايا وأحمر شفاه فتخاف أن تسرقه منها إحداهن.

هي الآن في قمة السعادة، فقد طالت مدة مغازلته لها، غير مهتم بالأخريات، لكن الأخيرات لم يرق لهن الأمر. ولأنهن يعلمن أنها أكثر شيء يغيظه، وأنها الشيء الوحيد الذي قد يصرفه عنها ويعيده لهن، حتى وإن عاد موبخا، تعالت ضحكاتهن المغرية لتعم أرجاء الفصل. لكن يبدو أن جرعة الاستفزاز كانت كبيرة هذه المرة..

لم يجد غيرها أمامه، فصفعها براحته التي بقيت منقوشة على بشرتها السمراء، قبل أن يرفع عينيه المملوءتين بالغضب. هو يعلم أنها بريئة، لكنها كبش الفداء الوحيد.. صمتت الطالبات وتسمرن وكأن على رؤوسهن الطير، لكن المسكينة لم تقو على تحمل الصفعة وكذلك الصدمة. تهاوت على الأرض مثلما تهاوى حلمها.

نادى حارس المدرسة، ليخرجها من الفصل دون أدنى اهتمام بها. وهاهي ذي تسترجع شريط الذكريات بسرعة قبل أن يختفي عن أنظارها.. تتذكر أول يوم دخل فيه إلى الفصل، والجميع يتحدثن عن وسامته ولطفه ولباقته.. تتذكر اهتمامه الكبير بها، ولحظات الخلوة التي قضياها معا في فترات الاستراحة.. ثم تتذكر الصفعة التي تنسيها حلاوة الماضي.
كانت تعلم أنه أيضا يحبها، بل يعشقها، لكنه لم يكن ليتزوجها، فهو أستاذ.. وهي سبورة.

(مصدر الصورة)

ماذا لو قاطعونا؟؟

do not buy

في كل مرة يتم الاعتداء فيها على الإسلام أو رموزه، تتعالى الأصوات بمطالبة حكومات الدولة المعتدية بالاعتذار (حتى وإن صدر الانتهاك من مؤسسة خاصة) ودعوة المسلمين إلى مقاطعة منتوجاتها.

لن أتحدث في هذه الأسطر عن دور المقاطعة كوسيلة ضغط إن أحسن استعمالها بشروط، ومساوئها إن سيء التخطيط لها، لكني سأحاول أن أوضح خطورة هذه العملية إن انقلب السحر على الساحر.

ماذا لو قرر الغرب، بسبب كثرة مطالباتنا بمقاطعة منتجاته، مقاطعتنا؟ ولا أقصد بمقاطعته عدم استعمال منتجاتنا (إن وجدت أصلا) بل أن يرفض مدنا بما نستورده منه. لا طائرات، لا قطارات، لا هواتف محمولة، لا حواسيب ولا ثلاجات… الخ (لم أذكر السيارات على اعتبار أن دولة إندونيسيا ولله الحمد تصنع نوعا من السيارات) كيف سيعيش العالم العربي والإسلامي؟؟ طبعا لن أقدم جوابا، ولكل واحد أن يتخيل من الصور ما شاء.

هذا السؤال ليس دعوة للتطبيع أو للتذلل والخضوع عند قدمي الغرب حتى لا تحرمنا ماما أمريكا وصديقاتها من خيرات صناعتها، وإنما دعوة للأنظمة العربية والإسلامية لإعادة النظر في مناهجها التربوية والتعليمية التي لا تهتم بالمواهب والتخصصات في وقت مبكر، ولا تقنن اختيار التخصص في المراحل العليا، وسأحاول أن أوضح ذلك عن طريق مثال آمل أن يقرب الصورة أكثر:

يدرس التلميذ في المؤسسة التعليمية مختلف المواد، وهذا أمر جيد جدا (إذا استثنينا الأخطاء التنظيمية) لأنه يحتاج إلى تشكيل قاعدة معرفية يستند عليها في حياته الدراسية واليومية، لكن للأسف لا يتم تقييم التلميذ من حيث رغباته ومواهبه وميولاته. بل إن المناهج الحالية تقتل التميز عن غير وعي. كيف ذلك؟ كثير منا كانت علاماته في المواد التي يعشقها عالية جدا، لكن علاماته العامة لم تكن بذلك الارتفاع بسبب مواد لم يكن يرتاح لها، أو بنكهة علمية، بسبب مواد لم يكن يتوفر على نوع الذكاء المرتبط بها (اقرإ المزيد عن الذكاءات المتعددة في ويكيبيديا الموسوعة الحرة)، لذا وجب التفكير بجدية في صيغة تعفي التلميذ، في مرحلة معينة، من المواد التي تؤثر على أدائه العام، وتدعم المواد التي يبرع فيها، ومن هنا نستطيع أن ننشئ أجيالا متخصصين، كل في مجال معين، لا أناسا يعرفون عن كل شيء لكن بمستوى لا يساعد على الإبداع والابتكار والاختراع. وفي انتظار التفكير في ذلك وأجرأته (طبعا إن تبين أن هذه الفكرة ناجعة وفعالة)، وجب الاهتمام أكثر بتوجيه الطلاب خاصة بعد إنهاء المرحلة الثانوية، فكم من طالب ضحى بسنوات من عمره ليغير مجال دراسته بعدما تبين له أنه لم يحسن الاختيار أو أن إرضاءه لوالديه اللذين أراداه أن يتخصص في ذلك المجال لم يكن في محله، ويعلق الدكتور طارق السويدان على هذه النقطة الأخيرة قائلا: “هذا ليس من بر الوالدين، بر الوالدين يكون فيما يتعلق بهما، وليس فيما يتعلق بك أنت” عبارة قالها في إحدى تكاوينه بأكاديمية إعداد القادة بتركيا 2008 بخصوص اختيار التخصص.

وحتى لا يقول قائل إنني أحمل كل المسؤولية للحكومات، أقول إن دعوتي هذه الأخيرة لإعادة النظر في مناهجها، التي تحتوي أيضا على إيجابيات، هي إلى جانب دعوتي للمجتمع المدني، وخصوصا الآباء والأمهات وأولياء الأمور وبعدهم الجمعيات المهتمة بتربية الطفولة وتكوين الشباب لأن يهتموا أكثر بالنشء الذي تحت عهدتهم وأن يربوه على حرية الاختيار لا أن يوجهوه وفق رغباتهم وميولاتهم، وألا يقتلوا الإبداع فيهم بعبارات التثبيط والاستهزاء بالقدرات، وأيضا إلى جانب دعوتي كل الشباب الطموح لألا يرضخ ويستجيب لعبارات التيئيس من حوله إن وجدت، ولعل التجربة التي مر منها المخترع السعودي الشاب مهند أبو دية محفز لكل الشباب لمواصلة العمل والعزم على بلوغ أعلى المراتب.
كانت هذه دعوة إلى المشاركة في حلم يعمل قلة بجهد من أجل تحقيقه، كل من مجاله، وينتظرون انضمام آخرين لتسريع الخطى للوصول إلى عالم عربي وإسلامي منتج.

(مصدر الصورة)