كفاني فخرا

عانقت فيها السكون و لفحات هدوء يلف المكان، أمضيت فيها شبابي بأريج مسك تنثره الطبيعة بجبالها الشامخة و أشجارها الصامدة وسمائها الصافية. لقد كان كل شيء فيها مميزا؛ فبعدا لسماء ملبدة بدخان كثيف يخنق الأنفاس منبعثا من سيارات الغوغاء و مصانع الضوضاء, تقظ المضاجع و تصم الآذان و بعدا لشوارع فخمة و ساحات فسيحة لا تجد موطأ قدمك فيها من كثرة الإزدحام، فتمر منها مرعوبا منهوكا او تجلس فيها خائفا مذعورا من كثرة اللصوص، بعدا لضجيج المدينة وغوغائها. لبؤسها و حوادثها اللتي تكاد لا تنتهي لتلوثها ولازدحامها…

يحق لي الآن أن أعتز بقريتي و ما أحلاها؛ هدوؤها يكفيني لألود فرارا من المدينة و طبيعتها القاسية تغريني، أناسها حد الأنسة في الكون، أبدانهم حرشاء مثل طبيعتهم, تحس الحياة في أعمالهم و تشتهي الإنصات لأحاديثهم…

هنالك يمكن أن نتصور قيمة الحياة و جوهر الأشياء ويحق لك أن تتأمل عظمة الخالق في الطبيعة الخلابة و الجبال الشامخة بدل أن تتأملها في ناطحات السحاب الشاهقة.

أمضيت فيها نيفا من عمري و حين غادرتها أدركت أني انسلخت من الطبيعة و الفطرة إلى التصنع و التكلف, من الهدوء و الإطمئنان الى الشغب و الخوف من الزمان.

غادرتها وصورتها في ذهني تغنيني من زيارة المعارض التشكيلية. غادرتها و نغمات فلكلورها الشجية يتردد صداها في إذني و تغنيني من سماع الموسيقى الصاخبة.

غادرتها و حلاوة ثمارها و فواكهها و ماؤها الآسن يشتاقها فمي إذ عانى المرارة و ملوحة المياه.

غادرتها و في جنبي لوعة تؤلمني من جراء فراق أهلها الطيبين اهل الجود و الكرم.

حقا إن قريتي مدينة التميز بامتياز تماما كما تصور أفلاطون مدينته الفاضلة و كفاني فخرا أن ترعرعت في أحضانها، و لفحت من هوائها، وسرحت في مراعيها، و ترنمت بين فجاجها.

المحمول

كان يتمشى بسرعة غريبة جدا كمن يتبعه أحد، كان يخطو خطوات متقاربة لكنها سريعة يحمل تحت كمه شيئا لا يرى كأنه سيف بتار، كلما مر من زقاق أو شارع أثار الانتباه بسرعته والتلويح بيده من حين لأخر، ينظر أمامه ولا يأبه، مر على صاحب المقهى المحاذي للشارع شرب كوب شاي بسرعة وأكمل مشيته، هرول قليلا تم مشى كلما قطع الطريق يحاول إخراج ما يخفي تحت كم بدلته السوداء.

دخل السوق فوجد التجار يجمعون بضاعتهم، إلا من بعض الفتية المنتشرين هنا وهناك، في المكان المحاذي للهاتف العمومي كان بضع نسوة ينتظرن سيارة أجرة كبيرة أو حافلة، قطع الطريق الذي يؤدي إليهم، توقف قربهم وأمام ذهول الجميع أخرج المحمول، رد على المكالمة بعدما اخرج الذي كان تحت كم البدلة، أجاب صديقه بان تأخرت قليلا، وسأراك بعد دقائق، قطع المكالمة وهو يردد: فعلا الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك.

في غيابك..

في غيابك الرمادي..
تخنقني تساؤلاتي
ترهقني..

أبحث في أشعارك عن كلمة لي..
عن إسمي بين الأسماء
عن كلمة حب..
عن عتاب..

أفتش عن أوتار عودٍ
عن نافذةٍ أو باب
يخرجني من متاهتي
يخرجني من لهفتي
من عتمة السِّرداب

فيا ويلي من هذا الحب
ويا ويلي من بعادك..
كم يجلب لي من لوعة
كم يزرع بقلبي العذاب

يا حبيبي سل عينيّ
عن ليالي شوقٍ
ووسادةٍ تنهشني مخالبها
وعن لحاف ذي أنياب

سل القلب من يسكنه
من زرع تلك الأحرف في شجرةٍ
من أدخلك مملكته وسَكَّر الأبواب

سلني حبيبي
عن أمنيتي البعيدة
عن لمسة حنونة
ونظرة شريدة
عن قبلة من سراب

لا تلمني حبيبي
إن مسحت إسمك من كتابٍ
تطالعه عيون المارين
وتمزقه أيادي الأغراب

لبس قلبي حبك
ولن ينزعه أبدا
حتى وإن مُزقت أطرافي
ومهما تعددت الأسباب

مُذ أحببتك لامست سقف السماء
حلقت مع العصافير
وغادر منامي ذاك الغراب

يا عمري لا حياة لي بدونك
وعيوني حين تغيب عني
لا ترى سوى الضباب

بقلمي: أسماء أخزان
11/1/2010

أحبك! فالمواسم قريبة

أحبك عزيزي بقدر حُبكَ لي أضعافا مضاعفة،
أحبك يا عزيزي بغموض البحر ووضوح البدر في كبد السماء،
زدت أحبك حين نامت أيامي على كفِّ الفراق
وزدت أحبك حين علمتني كيف أحبك في وضح النهار

أحبك يا عزيزي كلمة أُجَفِفُ بها آلام يومي وأقتلع بها شوك الصبار
أحبك يا عزيزي صدقا لا كذباً،
أحبك علناً لا سراً،
أحبك وأحب اسمك منذ الصِّغر،

وردة بيضاء أيامي حين يُهمس فيها صوتك،
وياسمينة هي أحلامي حين تلون فيها رسمك،
عطرة تلك اللحظات التي أفكر فيها بك
تُصبرني على أشياء مضت وأشياء أنتظرها لتمضي،

أحبك عزيزي رجلاً وطفلا ومجنوناً،
أحبك فأحبني وردة وزهرة وعبيراً،
ليلتي جميلة كل يوم،
توقظني تلك البسمة وتنعسني تلك اللمسة،
أمان يعتري المكان،
كطفلة صغيرة أرخى عليها الليل هدوءه بعد صخبها،

هدوء!!
يُزهر الجدران زهوراً،
ويعطر المكان عطوراً،
وابتسمامة صادقة وظل يقف في الخفاء..

أحبك عزيزي،
فكن لها،
وامضي فالمواسم قريبة…

بقلمي وقلبي: عبيرأكوام
‏08‏/01‏/2010

على مقهى الذاكرة

أجلس..
على مقهى الذاكرة
في هذه الصورة..
وعلى هذا الكرسي المكسور

أجلس..
أغمض عينيّ عن العالم
دون أن يُسدَل جفني..
أراجع ما عشتُه من حياتي

عمري أنا..
نعم عمري
لكني لم أعشه!!
لم أحياه!!

أهو عمري؟
فلِمَ يهرب مني
أتشبث به كالغريق
لكنه يدفعني بكل قواه
يغلق أبوابه في وجهي الشريد

يهرب.. ويهرب
الى تلك العقارب المتجمدة
يدحرجها من فوق جباله الشاهقة
تسقط على السفوح
ثم تصعد
وتسقط
وتصعد من جديد لتسقط
كأنفاسي العليلة

على مقهى الذاكرة
تجالسني الأحلام الماضية
نرتشف سويا أحزاننا
وأوهامنا
وسرابَ الوجوه التي غادرت

نرتشف دون أن ندري
سُمّ الأقدار
حلاوة المَرار
وما كان مذ عمرٍ
يسمى أسرار

نجالس أشباح أقمارٍ ماتت
وشموسٍ انتحرت
ونرتشف أنفاساً اختنقت

على مقهى الذاكرة
والأمطار تغسل كراسيَ
على أرصفة الأفكار
وطاولات دموع السماء عليها تنهار
تدوس أقدامُ القدرِ على وجه الحلم
وتبتر أناملُه أوراقَ الأزهار

على مقهى الذاكرة
تنتحر الذاكرة
لتبعث من جديد
في الذاكرة
فهي لا تملك عمرا واحدا..
بل أعمارا وأعمارا!!

بقلمي: أسماء أخزان
6/1/2010

حب في المرايا

القد الممشوق والقوام الممزق
بسام النظر الثاقب
في أروقة النسيان

والحب المجرب في بحيرة الظمآن
والكلام المعسول
من العاشق الولهان
وأياد بيضاء
وأخرى فوق السندان

حب تحت المجهر
وآخر من دخان
فارس أحلام أشقر
وآخر خلف القضبان

مرآة في يدها
والهاتف رنان
عقد في جيدها
وصور على الجدران

اختصر هواك
وقل إنسانة أحبت إنسان

نورالدين البيار

لا شـــفاعة

عدنا كالغرباء،
رغم تقاسمنا الملح والسكر
وتناولنا الخبز مع الماء
كالغرباء عدنا
لم نكن أقرباء يوما،
كنت معك في غيبوبة النفاق
وكنت مع نفسي في عالم الغباء
كنا نمشي كالأصدقاء
نتقاسم حديث طفولتي وبعضا من الألعاب،
غباء بلا حدود،
وعقم لا يعالج،

حزنت الأشجار التي ظللتنا يوما،
انتحرت الورود التي عطرتنا لحظة،
كل شيء مضى،
عاد ذكرى غريبة،
ذكرى مزعجة،تحُيي شَوْك الصَّبار
وتودع سفينة البحار بذكراه،

تلك هي ذِكرَايْ الغريبة،
أفطر بها كل يوم،
وأنام عليها،
تنتابني موجة ألم،
وأتذكر الأشياء التي أهديتها حباً
وأتذكر الأوقات التي أمضيتها صدقاً
وأتذكر عيون التي ترصدتني خبثاً،
كل ذلك عاد ذكرى مزعجة،

كانت مميتة،
كانت سوداء
ولكن باتت تصبح مزعجة،
عدنا كالغرباء،
ما عاد الزيت يشفع للدقائق التي جمعت أيدينا أثناء الطعام
و ما عادت الحلوة تُسكرنا وقت المنام،
لا شيء عاد شفيعا يا غريبة،
لا شفاعة،
لا شيء سوى الذكرى الكئيبة
والأعين الخبيثة،
لا شيء سوى الغرابة
والحماقة وعالم النفاق لا ينتهي…

بقلبي وقلمي/ عبير أكوام
‏04‏/01‏/2010