السلف.. إبعاد الآخر

“العقل هو أحسن الأشياء توزعا بين الناس؛ إذ يعتقد كل فرد أنه أوتي منه الكفاية، وليس من عادتهم الرغبة في الزيادة، لما لديهم منه”

ديكارت.

عندما كنت أعيش بين السلفيين الذين يكفرون المرأة التي لا تضع الحجاب على رأسها، والرجل الذي يحلق لحيته، عرفت الدين الإسلامي على غير هدى، وقلت ألا إنهم الكاذبون فلا يشعرون، ولا يعقلون.

في الكثير من الأحيان نشعر بأننا على الطريق الصواب، ونؤمن أشد الإيمان بأن أفكارنا التي نسعى أن نغرسها في عقول الآخرين بالقوة أكثر من الإقناع عن طريق الحوار، نكتشف في آخر المطاف بأن هذه الأفكار ماهي إلى سراب، وأحلام نراها في الليل، وفي النهار تمحوها الشمس، إنها قادرة على ذلك، ولعل هذه المشكلة المغروسة في عقولنا، هي المشكل الأساسي الذي جعلنا دائما نحاول إبعاد الآخر، وجعل أنفسنا في مرتبة العقلاء الأتقياء الذين لا يخطئون، وهم يعلمون، أي بعبارة أكثر حدة، نسعى دائما إلى محو الآخر، رغم كونه يكمل وجودنا؛ فوجودي رهين بوجود الآخر، لهذا علينا أن نؤمن به، وهذا لا يعني أن نتخلى عن أفكارنا، بل نحميها، وندافع عنها، وندع مساحة للخطأ، لأن الحقيقة المطلقة لا توجد على الأرض بل في السماوات السبع.

وعدم تقبل الآخر لكونه غير صائب، يجعلنا نحكم على تاريخنا بالموت الحقيقي، لأن تبادل الأفكار مع الآخر يولد أفكارا جديدة، غفلت عنها عقولنا، وبالتالي جعل العقل يتحرك، ويفكر مما يؤدي إلى تنشيط ملكة التفكير التي توقفت منذ مدة عن العمل، وذهبت إلى ساحة مهزلة العقل البشري. إن الإنسان العربي الإسلامي كفر بالآخر، وعاش على أفكاره المتحجرة، طول حياته، وفي آخر حياته يستدرك في غفلة من أمره بأن أفكاره صارت إلى مزبلة التاريخ.

في الاختلاف نعمة، يقول أحد الرحالة الروس: “بعد تجوال طويل في أصقاع متعددة من الأرض، تأكد لي أن كل المضامين متشابهة، الأشكال وحدها متغيرة ومختلفة”. فهل نشهد نهاية التاريخ، والإنسان الأخير.

والمشكلة التي سقطنا فيها هي أنه لابد للآخر أن يموت من أجل أن نحيى نحن.

الصراع اليهودي – الإغريقي بالإسكندرية في عصر الرومان (الجزء 2)

العبرانيون وتأثرهم بالبيئة الإغريقية

تؤكد المصادر الأدبية أنه رغم انغلاق اليهود على أنفسهم، إلا أنهم كانوا يتشبهون بحضارة العنصر الأقوى واضعين نصب أعينهم منفعتهم الخاصة، وقد تمثل ذلك في: استخدام الأسماء الإغريقية والعبرية مثل: (ثيوخرسيوس – يعقوب)، (ثيودوروس – إيوداس)، (تريفينا – سالومس)، (أرسينس – ساوا). استعمال اللغة اليونانية، في الأحداث بينهم ولتدوين تاريخهم، لدرجة أن بعضهم كان يجهل اللغة العبرية قراءة وكتابة. غير أن اليهود والحق يقال “شعب محافظ، يتمسك بأهداب الدين، ويسير على الصراط المستقيم، وبالتالي فقد كان الوضع الطبيعي هو أن يتم ترجمة كتابهم المقدس”. خلال القرن الثالث ق.م حتى يتمكنوا من إدراك محتوياته، وقد تم في غضون القرنين التاليين ترجمة الكتب الدينية الأخرى، وقد اشتهر ذلك كله باسم الترجمة السبعينية(1) Sptuaginta التي على حد قول أحد المؤرخين القدامى “كتاب عبري في ثوب إغريقي”.

التردد على قاعات التدريب Gymastuica لمشاهدة التمرينات دون حرج بل أنهم كانوا يلحون في الانضمام إليها وهذا بالتأكيد يتعارض مع ما تحث عليه الشريعة اليهودية من عدم كشف العورة، ذلك لأن الصبية في هذه القاعات كانوا يتدربون عراة تمامًا،(2) فضلاً عن ذلك كانوا والعين بحضور التراجيديات الإغريقية(3) (المسرح الإغريقي) وإبداء الإعجاب بها لدرجة أن صفوة المثقفين اليهود وعلى رأسهم الفيلسوف فيلون Philon (25 ق.م – 41م) كانوا يجاهرون بتفوق الثقافة الإغريقية وضرورة التفاعل معها والإفادة منها.

الارتداد الديني، حيث صبأ فريق منهم غير حافيين بالوصايا العشر(4) Dekalogoi فدخلوا المعابد المصرية والإغريقية كعابدين للأوثان، راكعين للأصنام، مشاركين في الاحتفالات والأعياد والمهرجانات السنوية التي تقام على شرف الآلهة المتعددة. التصاهر مع المصريين والإغريق، فتزوجوا منهم دون مبالاة بقيم شريعتهم، فضلاً عن ذلك فقد قلدوا عادات الإغريق في تناول أنواع من الأطعمة تضم لحم الخنزير، وأيضًا الخبز المختمر (مكتمل التخمير)، وكانوا يعملون أيضًا يوم السبت وهو ما يتعارض مع احد نصوص الوصايا العشر، والأهم من ذلك كله أنهم مارسوا عملية الختان. وهذه كلها عادات تتعارض مع المعتقدات الراسخة في نفوس اليهود. ممارسة العادات والتقاليد المصرية القديمة، التي مارسها أيضًا الإغريق آلا وهي تحنيط الجثث دون مبالاة بالقيم التي تفرضها شريعتهم والتي تقضي بتحلل الجسد البشري بعد الوفاة ليبرأ صاحبه من الأدناس والآثام والخطايا.

لكن السؤال له شق آخر: هل تأثر كافة يهود مصر بالبيئة المصرية تأثراً أنساهم عاداتهم وتقاليدهم وشرائعهم الموروثة أب عن جد؟ النفي هو الإجابة؛ إذ أن الغالبية العظمى ظلت تتخبط طويلاً في دوامة هي كيف يتسنى له التسليم للفكر الهيلليني، وفي الوقت ذاته الحفاظ على الروح العبرية. وفي النهاية استقر رأي الغالبية العظمى من اليهود على أن التوفيق بين هذه المتناقضات شيء مستحيل، ومن ثَم آثر السلامة ودرأ بحزم ما لا يتفق مع طبيعته مثل: الشرك المتمثل في عبادة الآلهة المتعدد، والقتل المتمثل في عادة التخلص من الأطفال بإلقائهم أو بيعهم أو رهنهم، والشذوذ الجنسي المتمثل في العلاقات مع الرجال، والزنا المتمثل في اقتراف المحرمات مع النساء. وخلاصة القول؛ أنه إذا كان اليهود العقلاء المثقفون قد حاولوا الانسجام مع البيئة فأوجدوا نوعًا من الموائمة بين مجتمعهم العبراني وبين المجتمعات التي يعيشون وسطها، فاستطاعوا أن يخلعوا على حياتهم صبغة مصرية، فإن اليهود الغلواء المتطرفون – وهم الأكثرية – قد مالوا إلى المحافظة على جوهر قوميتهم، وصميم خاصيتهم، ورسوخ أعرافهم.

_____________________________

(1) هي ترجمة العهد القديم إلى اللغة اليونانية، مع بعض الكتب الأخرى التي نقل البعض منها عن العبرية كسائر أسفار العهد القديم، والبعض الآخر كتب أصلا في اليونانية. وسميت هذه الترجمة بالسبعينية بناء على التقليد المتواتر بأنه قد قام بها سبعون ( أو بالحري اثنان وسبعون) شيخًا يهوديًا في مدينة الإسكندرية في أيام الملك بطليموس الثاني فيلادلفوس ( 285 – 247) ق. م .

Jennifer M. Dines, The Septuagint, Michael A. Knibb, Ed., London: T&T Clark, 2004

(2) زكي علي، الإسكندرية في عهد البطالمة والرومان.- ب.ط.- الإسكندرية: مطبعة دار المستقبل، ب.ت. ص 41 – 42

(3) التراجيديا من المصطلحات الفنية التي تستخدم في القواميس الفنية التعبيرية وكان أول من صنفها فناً الفلاسفة الآغريق حيث وظفوها في إعمالها الفنية والمسرحية في ذلك الوقت لأن المسرح الإغريقي هو أول من قدم الأعمال التراجيدية من خلال مسرحيات تعكس حياة الإنسان وصراعه مع نفسه ومع الطبيعة ثم مع بني جنسه وقد قدمت مجموعة من الأعمال المسرحية ذات الطابع الدرامي الذي جسد مأساة لمواقف إنسانية مختلفة ومن هنا اقترنت التراجيديا بالفن الدرامي وأطلق عليها المأساة إضافة إلى المسميات التي تندرج تحت عنوان الدراما مثل الكوميديا والميلودراما. أصل كلمة تراجيديا هو يوناني ومعناه اللفظي حسب اللغة اليونانية أغاني الماعز وقد ارتبط هذا الاسم عندما قدمت مسرحيات دينية يقوم عناصرها أو المجموعة بعرض عدة رقصات وهم يرتدون جلد الماعز والتراجيديا وفق لمهمتها الفنية تحكي أحداث محزنة كثيرا ما تنتهي بنهاية مؤلمة مثل ما حدث مع روميو وجوليت وانطونيو وكليوباترا وغيرهم.

(4)  الوصايا العشر: هي القوانين العشرة، حسب الكتاب العبري، التي أنزلها الله على النبي موسى. تعتبر الوصايا العشر الأساسية أحد أهم الوصايا التي نزلت على بني إسرائيل ويصل عددها إلى 600 وصية موجودة في العهد القديم. تعتبر الوصايا أسس أخلاقية في اليهودية والمسيحية، ومضمونهن أيضا موجود في الإسلام.

الكرة المكعبة

الكثير من الناس يسمعون عن الكرة المستطيلة، وقلة منهم يعرفون قوانينها، وقلة من القلة تمارسها، لكن الكثير ربما لم يسمع شيئا عن الكرة المربعة أو الكرة المكعبة، بالرغم من أننا جميعا نمارسها، سواء أحببنا أم كرهنا.

لقد حبس الناس أنفاسهم يوم تواجه المنتخب الإيراني مع المنتخب الأمريكي، ويسود القيل والقال، وتنتشر الإشاعات، وتعزز قوات الأمن في كل مرة يلتقي فريقان من حساسيتين مختلفتين، ويخرج الجمهور لتحطيم المنشآت العامة والخاصة، إما احتفالا بالنصر، أو غضبا على هزيمة، وهذا بطبيعة الحال بعد أن يكونوا قد قاموا بالواجب داخل الملعب بأن يتركوه قاعا صفصفا.

ويوم تلعب “البارصا” و”الريال”، تتعطل المصالح، وتمتلئ المقاهي، و ترتفع الأصوات والهتافات، بالرغم من أن الفريقين غربيين أوربيين إسبانيين..

أنا أفهم أن نشجع فريقا وطنيا أو عربيا أو حتى إفريقيا بالنسبة لنا أو آسيويا بالنسبة لإخواننا المشارقة، لكن ما لا أستطيع استيعابه هو كيف أدافع عن فريق أجنبي، وأشجعه، وأتحدث باسمه وأهيم بحبه إلى هذه الدرجة التي نراها كل أسبوع؟

إن الكرة أو الرياضة بصفة عامة، هي أولا وقبل كل شيء “رياضة” و متعة للذي يمارسها وهذا هو الأصل، ثم إنها بعد ذلك فرجة لمن يشاهدها، وهذا ينبغي أن يكون استثناء من القاعدة وهي كون الرياضة ممارسة قبل أي شيء آخر، ثم إن المتعة هي في نهاية المطاف “متعة”، يجب أن نصرف عنها النظر بمجرد أن تمر وتنتهي.

المشكل في الكرة اليوم أنها لم تبق كرة دائرية كما عهدناها من قبل، وإنما أصبحت كرة مربعة، ومكعبة؛ فحول الكرة تحوم شركات تحلب المواطن حلبا، وحكومات تهدهده لينام، وتقدم له المخدر ليغيب عن الوعي، و جماهير مسلوبة الإرادة مستسلمة عاجزة، أينما توجهها لا تأت بخير، صم بكم عمي فهم لا يعقلون، إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون.

لقد وجدت الرياضة من أجل أن نقوم بممارستها، وليس من أجل أن نتجمد ونتسمر أمام شاشات التلفزة، ونجلس على الكراسي ندخن السجائر، ونستنشق النيكوتين وإخوانه من أوكسيد الكاربون والقطران وغيره…

في الحقيقة “هادي مابقاتش كرة، هادي راها ولات قطران” (*)

__________

(*) عبارة باللهجة الدارجة المغربية معناها: هذه لم تعد كرة، بل أصبحت قطرانا.

الصراع اليهودي – الإغريقي بالإسكندرية في عصر الرومان (الجزء 1)

ملخص:

لقد نعم اليهود بالأمن والطمأنينة في أكثر فترات العصر البطلمي بمصر، فازدهرت جاليتهم وبصفة خاصة جالية الإسكندرية، وأصبحوا عنصرًا له خطره في حياة البلاد الاقتصادية والسياسية. وعندما أحسوا بأفول نجم البطالمة وبأن حكم مصر سيصير إلى روما أخذوا يعدون أنفسهم لاستقبال العهد الجديد وإظهار الولاء لأوكتافيانوس دون أن يقيموا وزنًا لمشاعر أغريق الإسكندرية، الذين اظهروا حنقهم على اليهود عملاء الاستعمار الروماني. وكان من الطبيعي أن تتأزم العلاقات بينهم خلال عهد الرومان الذين منحوا اليهود الكثير من الحقوق والامتيازات، ولم يعبأوا بمطالب الإسكندريين. وتعرض هذه الدراسة للصراع اليهودي – الإغريقي وسياسة الأباطرة (أوغسطس – تيبيريوس – كاليجولا – كلوديوس) نحو كل منهم.

مقدمة:

ترجع علاقة الإغريق Hellenes بمصر إلى عصور ضاربة في القدم توثقت بشدة في عهد الأسرة الصاوية التي سمحت للإغريق بالإقامة في مصر للعمل والتجارة والانخراط في سلك الجندية(1)، بل وأقامت لهم مدينة عُرفت باسم نوقراطيس(2) Navcrates. وعندما أتى الإسكندر (356 – 323 ق.م) لفتح مصر كان في ركابه مجموعة كبيرة من الإغريق اعتمد عليهم الملوك البطالمة في إقامة دولة قوية تكون محط الأنظار في المنطقة الهيللينية حول حوض بحر إيجة،(3) وقد حاول البطالمة استقطاب هؤلاء الإغريق وإغرائهم بالمجيء إلى مصر، وأغدقوا عليهم الامتيازات المادية والمعنوية، وهيئوا لهم سبل العيش في البيئة التي تعودوا عليها في بلادهم الأم “ونعني بذلك تأسيس مجموعة من الدويلات الحرة(4) Poleis” يمارسون فيها حياتهم بمعزل عن السلطة الحاكمة.(5)

الإسكندرية Alexandria أشهر وأعظم دولة هيللينية ظهرت في العالم قاطبة،(6) وقد نجح أحد الباحثين في تعداد الأجناس التي كانت تسكن هذه المدينة في عصر الرومان، فحصل على خليط من القوميات يبلغ حوالي العشرين قومية، واحدة منهم فقط هي التي كانت تتربع على قمة الهرم الطبقي وهم “الإغريق”، وكانوا يعتبرون أنفسهم أصحاب هذه المدينة، فكانت لهم هيئة مواطنة كاملة الأهلية، وفضلاً عن ذلك؛ كانت لهم مؤسسات تبدو وكأنها مستقلة في الحكم عن الملك البطلمي، أو بمعنى أخر كأنهم دولة داخل دولة، فعلى سبيل المثال كان هناك: هيئة رياسة عليا – مجلس شورى – هيئات تعليمية – مؤسسات اجتماعية (تشرف على العلاقات بين المواطنين) – هيئات اقتصادية.(7)

غير أن ذلك لم يكن يمنع بعض الإغريق من الانخراط بالعناصر الأخرى القاطنة بالريف، يمارسون ما يمارسه غيرهم من العناصر التي تليهم في الوضع الاجتماعي من حيث التقاليد والعادات والأعراف.(8) بل إن بعضهم كان يتعلم اللغة المصرية القديمة ليستطيع التفاهم مع العناصر الغالبة في هذه المناطق “أي المصريون”، وكانوا يسمون أولادهم بأسماء مصرية. ومجمل القول؛ أن الإغريق (الهيللينيون) إذا كانوا شعبًا مترفًا بطبيعته استمر يحيى على نفس هذه الوتيرة، فإن بعضهم (الإغريق) على الأقل فضل الحياة البسيطة بين العناصر الأخرى دون أن يشعر بأي فرق.

العبرانيون Hebrew هم شعب تنتمي لغته إلى مجموعة اللغات السامية Semitic وكانوا في الأصل قبائل بدو رحالة، هاجروا بقطعانهم نحو الشرق ليستقروا في الجزء المسمى البلاد الخصيبة وبالتحديد في أرض كنعان، وعرفوا لأول مرة كيف يعيشون في مدن مسورة (لها أسوار). والأدلة التاريخية تشير إلى أن علاقتهم بمصر قديمة، فكانوا يشدون الرحال إليها كلما ألمت بهم كارثة لاسيما إبان السبي البابلي الأول في القرن السادس على يد الكلدانيين، حيث سمح لهم ملوك العصر الصاوي بالإقامة والتجارة والانخراط في الجندية وأنشئوا لهم في مصر أول معبد في سيناجو Synagoge وعملوا على تكثيف منازلهم حوله، حتى أصبح لهم حي خاص بهم يسمى Jewry. وعندما دحر الإسكندر الإمبراطورية الفارسية جاء في ركابه بعض العبرانيين ينشدوا الحياة الآمنة في مصر، وعندما ألت مصر إلى البطالمة وانتهى إلى حكمهم جوف سوريا تفاءل اليهود العبرانيون وقامت حركة تهجير على قدم وساق للإقامة في وادي النيل.

ويزعم المؤرخ اليهودي الكبير يوسف Iosipos “أن بني جلدته اتخذوا من الإسكندرية مقر منذ بدايته”. فتعداد العبرانيين في مصر مع أوائل حكم الرومان كان يقرب على مليون نسمة(9)، كان بعضهم يقطن المدن الحرة Poleis التي تم تشييدها خصيصًا للإغريق، ويسكن البعض الآخر عواصم الأقاليم Metropoleis وذاب البعض الثالث في المناطق الريفية Khore. ولا جدال؛ أن هؤلاء وأولئك كانوا بلا استثناء يخضعون لضريبة الرأس فضلاً عن الخدمات الإلزامية.

كان يقود العاصمة الإسكندرية طائفة من الأثرياء الذين كونوا ثرواتهم من التجارة خاصةً العمل بالربا بفرض أعلى سعر للفائدة، وكذلك التزام جباية الضرائب بنسبة أكبر من المقرر المألوف، وكانوا يقيمون في الحي الرابع Delta القريب من الساحل حيث ضاق عليهم فزحف بعضهم للسكن في الحي الثاني Beta. وكانوا يطلقون على أنفسهم لقب السكندريون(10) Alexandries ولكن واقع الأمر أنه كان مجرد اصطلاح جغرافي بمعنى سكان الإسكندرية، سواء منهم المواطنين الإغريقPolitai (لهم حق الإقامة)، أو غيرهم من العناصر الأخرى التي لم يتم تسجيلها في هيئة المواطنة Politeia (لهم حق المواطنة) السكندرية، وبالتالي عدم أحقيتهم في ممارسة حقوقهم السياسة والاجتماعية. فقد صرح الملوك البطالمة لهم باستعاضة نظام الجالية القومية Politeuma (البوليتيوما)(11) كوسيلة مشروعة تمكن أعضائها من أن ينظموا حياتهم وفقًا لما يجري في بلادهم الأم، بالإضافة إلى أن رئيس هذه الجالية كان في استطاعته الحماية والدفاع عن أفرادها أمام السلطان.

الباحثون الجدد يعتقدون أن جالية يهود الإسكندرية كانت مجتمع عبريًا يتمتع بالحكم الذاتي دون أي تدخل من السلطة الحاكمة أو الجاليات (العناصر) الأخرى المقيمة في الإسكندرية، ولا جدال أن هذه الجالية كان لها رئيس طائفة وهيئة دستورية ورجال دين. لكن السؤال المطروح الآن؛ هل كان في استطاعة يهود مصر الاحتفاظ طويلاً بمقومات مجتمعهم قوية بعيدة عن مؤثرات البيئة المصرية الإغريقية المحيطة بهم؟ الحقيقة أن الشعب اليهودي على وجه العموم لا يحاول التأقلم مع البيئة التي يحي فيها إلا بقدر بسيط بحيث لا ينفذ إلى أعماقه، فهو بطبيعته متقوقع ينظر إلى كل ما حوله كغرباء عنه حتى ولو كان يعيش وسطهم، والعكس صحيح أي أنه يلتمس الحماية من إخوانه حتى ولو كان نائيًا عنهم. وهكذا؛ فإنهم في شتى أنحاء العالم يفضلون السكنى متجاورين حتى يتكون لهم في النهاية حي مقصور عليهم يعرف بـ جيتو Ghetto.

يتبع…

___________________________

(1) لا جدال في أن عطف ملوك مصر في العصر الصاوي على الإغريق يرجع إلى ما كانوا مدينين به من ثروتهم لتجارة الإغريق، وكذلك إلى ما كانوا يستشعرونه من الحاجة المحلة إلى معونة الإغريق العسكرية، وذلك من ناحية للذود عن حياض مصر ضد الممالك القوية في أسيا، ومن ناحية أخرى لدفع ما يهدد العرش من أخطار داخلية.

(2) نوم جعيف بمحافظة البحيرة.

(3) هلا حسن، مصر في عهد الإغريق والرومان.- الجيزة: دار الأمل للنشر والتوزيع، 2001. ص 6 – 8

(4) The polis (plural, poleis) was the ancient Greek city-state. The word politics comes from this Greek word. The polis was the central urban area that may also have controlled the surrounding countryside. Athens was the urban center of Attica; Thebes of Boeotia; Sparta of the southwestern Peloponnese, etc. Each of these 3 poleis was separate from the others. (Ancient / Classical History) available in 6 April 2011 at: (http://ancienthistory.about.com/od/greeceancientgreece/g/polis.htm)

(5) راجع: مظاهر التقاء الحضارتين المصرية والإغريقية في عهد البطالمة

إبراهيم نصحي، دراسات في تاريخ مصر في عهد البطالمة.- القاهرة: مكتبة الأنجلو، 1959. ص 194- 230

(6) راجع: وضع الإسكندرية في مصر في العصر المتأغرق.        لطفي عبد الوهاب يحيى، مقدمة لحضارة الإسكندرية: دراسة في حضارة البحر الأبيض.- الإسكندرية: دار نشر الثقافة، 1958. ص 37 – 65. والإسكندرية عاصمة البطالمة: لطفي عبد الوهاب يحيى، دراسات في العصر الهلنستي.- بيروت: دار النهضة العربية، 1977.ص 263 – 325

(7) هـ. آيدرس بل، مصر من الإسكندر الأكبر حتى الفتح العربي/ ترجمة عبد اللطيف أحمد علي.- بيروت: دار النهضة العربية، 1973. ص 68 – 74

(8) الإسكندري وسفدج، تاريخ مصر إلى الفتح العثماني.- ط4.- القاهرة: مطبعة المعارف، 1338هـ. ص 106

(9) فاروق حافظ القاضي، محاضرات في تاريخ مصر في عصر الرومان.- ب.ط.- القاهرة: جامعة عين شمس، 1994. ص 121

(10) لطفي عبد الوهاب يحيى، دراسات في تاريخ مصر: عصر البطالمة.- الإسكندرية: مركز التعاون الجامعي، 1967. ص 331

(11) كلمة يونانية تشير إلى الإطار الإداري الذي كان ينظم الجماعة اليهودية في مدن مثل الإسكندرية. وقد اعترف اليونان ومن بعدهم الرومان باليهود كقوم لهم تقاليدهم وعاداتهم وديانتهم، ولذا فقد أُعفوا من العبادة الوثنية ومن تقديم القرابين إلى الأباطرة أو الاشتراك في الأعياد والمناسبات الوثنية، لكن هذا كان يعني أن اليهود أصبحوا غرباء لا مواطنين كاملي المواطنة، إذا كانت المواطنة في المدينة تعني الانتماء الكامل اجتماعيًا وسياسيًا ودينيًا أيضًا. ومن هنا لم يصبح اليهود في الإسكندرية أو غيرها من المدن أعضاء في المدينة، فهذا كان يعني بالضرورة الاشتراك في العبادة والجمنازيوم وتلقي التعليم اليوناني اللازم. ولذا فقد مُنحوا مكانة غرباء لهم حق السكنى، كما كانت تنظمهم مؤسسة البوليتيوما. وبمقتضى هذا التنظيم تمتع اليهود بشيء من الاستقلال الإداري الذاتي في الأمور الدينية والقضائية، ولكن لم يكن لهم حق المشاركة في إدارة المدينة من الناحية السياسية. وكان لمؤسسة البوليتيوما موظفوها الإداريون المستقلون عن الجهاز الإداري للمدينة. وقد ظل وضع اليهود داخل البوليتيوما مستقرًأ ما داموا يقومون بدور الجماعة الوظيفية للبطالمة. ولكن مع الغزو الروماني، اختل التوازن وتحول اليونانيون أنفسهم إلى جماعة وظيفية للرومان تزاحم اليهود. وقد أثر هذا في وضع البوليتيوما، فألغى الحاكم الروماني فلاكوس وضع اليهود كغرباء لهم حق السكن، فأصبحوا غرباء وحسب يمكن طرهم، فاشتكوا إلى الإمبراطور الروماني الذي أنصفهم وأكد وضعهم باعتبارهم بوليتيوما.

ثورة الأشواق

ما بال عيناي إليــــــك ترحـــــل          وثورة الأشواق بالليل تسهـــر
أدمعي من نار الهوى تسيــــل          وتروي زهور العشق كالأنهـــر
تأتلف روحي في الغرام وتعدل          وإن ضلت فهدى الصبح يطهــر
أيها الطيف العجيب المتسائل          متى يكون مني الوداد وتنتظر
صنيعك بين جوانحي يُحمـــــل          وهيهات لريح عليه أن تقـــدر
أتحجب عني مرآك وترحـــــــل          وتترك مقلتي بالدموع تنثــــر
إنما في بعدك هلاك ومقتـــــل          وقبر ينتظرني وما منه مفـــــر
أهنئك بكأس الفوز يا كامـــــل          فالعين لنقصانك لا تنظــــــــــر
ليت ذنبي في حبك يـــــــــزول          ويبقى دهري لحسنك يذكــــر
سأمضي بتوبتي لعلها تقـبــل          وسلام يامن له قلب لا يشعـر

اِرفع رأسك عالياً

اِرفع رأسك عالياً. ارفعه فوق علو الموج، فوق تلال الخوف، ارفعه ارفعه. ارفعه أعلى من القيد، ارفعه أعلى من الذل.

شاهقاً عالي لا تبالي، لا تدمع ممن أحببت. ارفعه طول عرض سفح الجبل، طول الخوف و الخجل، طول الألم، طول الليالي. ماضياً لا تبالي. ارفعه علو العلا فوق تلك الأعالي.

من يأبه بالألم يعيش فيه، يكتوي بجمره، يرتعش من ذكره و يبقى فيه. يصلى على جنبه و يشتعل في صدره أبداً فيه.

تحرر من قيده، لا تلتفت للوراء، أبداً لا تبالي، فقط امض و إلا ستعاني.

الجنون الأعظم

أصيب نيتشه في آخر حياته؛ ذلك الرجل الذي أعلن وفاة الإله في كتابه – هكذا تكلم زرادشت – أصيب بمرض النسيان فخرج يسعى لم يعد يتذكر من هو، وأين توجد النجوم؟! وعندما قُرأ عليه وهو في فراشه أحدَ ما خطت يده، أبصر، وقال: إني كتبت مثل هذا يوما! وبين الجنون، والعبقرية ليست ألف سنة ضوئية، أو ماشابه ذلك بل شعرة، إما أن تصبح من المطهرين للعقول أو أن تعيش في رحاب الجنون، ذلك ما جرى مع أحد العلماء – لا أتذكر اسمه – عندما جلس مع أصدقائه من العلماء، فأخبرهم بالطاقة الشمسية، وكيف نمسك حرارتها، وتصبح أسيرة لنا، ضحك الجميع، وصاحوا إن صديقنا قد أصابه مرض الشيخوخة! وابن خلدون ذات مرة قال بأن الشمس لا حرارة فيها، رغم أنها تشوي الأجساد في فصل الصيف، والشتاء، وفي كل زمان هي موقدة لن تنطفئ، وقد قدر لها 5,5 مليارات سنة في كتاب – قصة قصيرة الزمن – لستيفن هوكينج – ومات نيتشه ليلتحق بقبر الإلاه، إنه ساء ما عمل.

والتاريخ نظر إلى الجنون على أنه حالتين؛ حالة تأخذك إلى اليقين، إن هو إلى وحي يوحى، كسقراط الذي اتهموه بالهرطقة، وشرب السم كأنه كان في الصحراء القاحلة، وهو الآن في الجنة يطير بجناحين، دون رقيب، ولا حسيب، وفي هذه الحالة تكون لوحدك في رحاب الجنون. أما الحالة الثانية فهو الجنون الذي يأخذ التين، والزيتون، كالعاصفة الريحية التي تبلغ سرعتها الآلاف، أقوى من الآلات التي أرسلها هتلر على أبناء آدم. وميشيل فوكو الفيلسوف الفرنسي اهتم بالجنون، ودرسه دراسة متفحصة، وصار مثلا للجنون الأعظم، وإن القلوب هي التي يصيبها العمى، وهناك من المجانين من حكم شعبا أكثر من 40 سنة فجعل من نفسه مثل الحلاق، يبين للناس بأن الموت ينتمي إلى أحد الجنسين إما ذكر أو أنثى، وإنك ستعرفه حينما يقترب منك.