مخاوف السنة البيضاء

يعيش قطاع التعليم بالمغرب في أيامنا هذه واحدة من أحلك فتراته، وبات يترنح  إلى درجة الاحتضار في ظل ظروف لا يقبلها العقل، إضرابات متكررة و غياب للأطر التعليمية، نقص في الكفاءة وخلل واضح في المنظومة التعليمية، تلك هي حالة التعليم في المغرب و ما أقساها، حالة إن دلت على شيء فإنما تدل على أننا محظوظون فعلا باحتلالنا المراتب الأخيرة في التقارير الدولية لأنه، وبهذه الصورة، لا نستحق حتى أن نكون في اللائحة أصلا.

أتساءل بضم صوتي إلى صوت ذلك التلميذ الذي هجرته أستاذته للغة العربية منذ فاتح أبريل الماضي بداعي الولادة دون رجعة ودون أن يتم تعويضها، و أهتف بصوت عال إلى جانب آلاف من الحناجر الملتهبة المطالبة بإصلاح الأوضاع التعليمية بهذه البلاد وتحسين ظروف اشتغال الأطر التعليمية، كما أضم صوتي إلى أولئك التلاميذ المقبلين على الامتحانات الموحدة الذين لم يشرعوا في فتح بعض المقررات الدراسية إلا في الشهور الأخيرة، هذا في الوقت الذي تلعب فيه الوزارة المعنية دور المتفرج ولم تجد حلا للوضع القائم أكثر نجاعة من تمديد السنة الدراسية أو التخويف بسنة بيضاء لمن يعارض، بينما تصر مندوبياتها على التمادي في سياسة الترقيع و اللامبالاة في ظل مخطط استعجالي محكوم عليه بالفشل، ومن وجهة نظر خاصة فإنني أقف ضد مثل هذه السياسات الإستعجالية لأنها  تفقد المخطط مصداقيته وجودته و ترمي به إلى دوامة من الفوضى و العشوائية في صراع مع الوقت المخصص لذلك المخطط الإستعجالي، وهو وقت قصير جدا، مما يجعل مسألة التخطيط و الدراسة والتوقع و المراقبة مجرد مصطلحات لا وجود لها في قاموس الإستعجال الذي أثبتت  التجارب غير ما مرة أنه لا يولد سوى المزيد من العشوائية، وتدني الكفاءة وهدر المال العام…

في خضم كل هذه الظروف لا تزال فرعيات و مدارس قروية كثيرة تعيش أزمة حقيقية في كل المستويات، فإذا كان تلامذة المدينة قد “أنعم لله عليهم” بسلسلةِ إضرابات متوالية، فإن نظراءهم بالعالم القروي لا يعلمون من الإضرابات شيئا غير أنهم يترنمون في مراعيهم أكثر مما يدرسون، فهم في كل الأحوال يعيشون عطلا متتالية، سواء كانت بسبب الإضراب أم عن طيب خاطر معلمهم البعيد عن أعين المدير كيلومترات كثيرة، لذلك فهؤلاء المعلمون يتفانون في الاستمتاع بعطلهم التي يختارونها لأنفسهم وقت و كيفما شاءوا في ظل غياب تام للمراقبة.

آخر مرة كَتب لي القدر أن أطلع فيه على  مثل هذا التعليم الفلكي في قريتي كان خلال عطلة عيد الأضحى الماضي، حينها جلس تلاميذ المدينة أسبوعا كاملا و هم “يقضمون” في “أكباشهم”  قبل أن يعودوا إلى مؤسساتهم التعليمية، أما في قريتنا الجميلة فجلس تلامذتها قرابة شهر دون أن تطأ أقدامهم عتبة تلك المدرسة الموحشة المهترئة، وفي كل مرة يسأل فيها الأهل عن كثرة “شُمُورٍ” أبنائهم يُردّ عليهم بأنهم في عطلة “العيد الكبير” و هم لا يعلمون أنه ما من أحد في العالم يأخذ إجازة شهر في عيد الأضحى، ما لم يكن مريضا أو تمليه عليه ظروف قاهرة حتى ولو كان رئيس دولة بعينها.

الأهل الذين تشع فيهم الأمية من بعيد يصدقون، و الأطفال غارقون في اللعب يتمنون ألا يأتي أساتذتهم أبدا، و المعلمون نائمون في منازلهم في أقصى شمال المملكة، و المدير الكسول تخيفه الطريق الوعرة إن سولت له نفسه القيام بإطلالة سريعة وهو الذي لا يمتلك سوى دراجة صغيرة لا تجدي نفعا أمام النتوءات والطريق المرعبة،  والتعليم القروي -كنتيجة- في مهب الريح.

في هذه الأيام يتردد الكثير من القيل و القال بشأن الإضرابات المتكررة و تزداد مخاوف أهل المحافظ والمقاعد من السنة البيضاء… أتساءل مرة أخرى إن كان معيار عدد الأيام التي لم يذهب فيها التلاميذ إلى مدارسهم هو المعيار الوحيد المعتمد في القول بأن هذه السنة بيضاء أو… وإذا كان الأمر كذلك فإنه كان من الأجدر أن تعيش قريتي على وقع السنوات البيضاء منذ سنين عدة، وعندها ستراني لا أزال أقبع في الصف الثالث أتعلم حروف الهجاء من معلم أراه يومين فيغيب عني أسبوعين.

الآن بدأ يتضح الاستعجال الذي سنته حكومة “الفاسي” في إطلاق مخططها الذي يفترض فيه أن يعطي نتائج آنية لأنه استعجالي، لكنه بالتأكيد لم ولن يعطي أكثر مما نرى، ما لم ينبني على الواقعية والتخطيط والدراسة الشمولية بعيدا عن الاستعجال، وهذا ما جعل قطاع التعليم ببلادنا يعرج دائما دون أن يستقيم وهو شأن هذه السنة أيضا التي دامت فيها معاناة بعض التلاميذ مع كثرة الإضرابات فيما استمتع بها البعض الآخر كعطلِ وسط الأسبوع، لكن لا أحد منهم سيرضى بسماع مصطلح إسمه “السنة البيضاء” و أرى من وجهة نظر شخصية أنها لم تصل بعد إلى درجة البياض الناصع، فلنقل عنها إذن “سنة رمادية” فهي على الأقل لا تستوجب إعادة الموسم الدراسي في السنة القادمة.

الصراع اليهودي – الإغريقي بالإسكندرية في عصر الرومان (الجزء الأخير)

جوزيفوس في كتابه “تاريخ العهد القديم”، دأب على الزعم أن أعضاء الجالية اليهودية بالإسكندرية كانوا يتمتعون بحقوق المواطنة الكاملة على قدم المساواة مع إغريق المدينة، ولإثبات صحة دعواهم استشهد بمنشور كلوديوس قائلاً: “أن الإمبراطور اعترف صراحةً أن يهود مدينة الإسكندرية المسمون بالسكندريين حصلوا مثل الإغريق السكندريين على حقوق متساوية منذ عصر الملوك، وأن أوغسطس حفظها لهم”.

الباحثون الجدد، يجمعون على أن جوزيفوس لجأ إلى تزييف نص المنشور بإقحام عبارتين الأولى “المسمون بالسكندريين”، والأخرى “حقوق متساوية”، ويستدلون على ذلك بالعبارتين نفسهما لأنهما تنطويان على غموض استغله جوزيفوس في الادعاء أن بني جلدته “مواطنين” بينما هما في حقيقتهما تقطعان بعكس ذلك، لأن اليهود لو كانوا فعلاً “مواطنين” لكان كلوديوس وصفهم في المنشور بوضوح بأنهم “مواطنوا الإسكندرية اليهود” بدلاً من العبارة الملتوية التي أوردها جوزيفوس بأنهم “يهود الإسكندرية الذي يسمون السكندريون”.

إن وضع يهود الإسكندرية في اعتقادنا ظل في العصر الروماني على ما كان عليه في العصر البطلمي، من حيث أنهم لم يكونوا مواطنين فيها والبراهين على ذلك عديدة نفرض منها ما يلي:(1)

  • أن بعض يهود الإسكندرية يصفون أنفسهم في الوثائق البردية المؤرخة في عصر البطالمة بأنهم “يهود متدينون”، وبما أن المتدينون لم يكونوا داخل هيئة المواطنة، فإننا بالتوفيق بين هذا وذاك يمكننا استخلاص أن يهود العاصمة لم يكونوا مواطنين.
  • أن فيلون يشير في مؤلفاته إلى البولتيفما باسم بوليتا ولم يكن يعني ذلك هيئة المواطنة بل عضوية الجالية اليهودية محاكيًا في ذلك الملك طولوميس الثاني (بطليموس) الذي أرسل عام 280 ق.م رسالة إلى آل عاذر حبر أورشليم الأكبر مستعملاً لفظ (الملك) بوليتا ليصف يهود مصر باعتبارهم إخوان وزملاء يهود فلسطين في الوطن والدين.
  • أن فلاكوس الوالي حدد مركز اليهود بالإسكندرية قائلاً أن جاليتهم أجنبية دخيلة. (في المنشور الذي أصدره لتحديد وضعهم الدستوري بالإسكندرية).
  • أن كلوديوس وصفهم في منشوره بأنهم يهود الإسكندرية وهو وصف ليست له علاقة بالمواطنة السكندرية.
  • أن كلوديوس في خطابه حظر عليهم أن “يحشروا أنفسهم” Epispaiein أو يتحكموا في الأنظمة التي يتولاها مديرو المؤسسات التعليمية والتربوية، وهي عبارة لا تصدر عن حاكم مسئول، فما بالك بكلوديوس المعروف بدقته مما يستحيل معهم أن يلقي الكلام على عواهنه فيردع اليهود بهذه الاهانة إلا إذا كانوا فعلاً لا يملكون حق المواطنة.
  • أن كليوباترا عندما أمرت بتوزيع منح القمح على مواطني الإسكندرية بسبب المجاعة التي حلت بمصر لم ينل اليهود نصيبًا منها باعتبارهم غير مواطنين.
  • أنهم (أي اليهود) مثل المصريين كانوا يدفعون ضريبة الرأس غير منقوصة، ويعاقبون بالضرب بالفلقة على بطن القدم، وهما علامتا الذل والمهانة لحثالة المجتمع.
  • أن الفرد اليهودي لم يكن في وسعه وصف نفسه في وثيقة رسمية بأنه “سكندري” بالمعنى الضيق للاصطلاح حتى لا تؤاخذه مواد القانون، بل كان يتعين عليه وصف نفسه بأنه “يهودي مقيم بمدينة الإسكندرية”، أما شفاهةً فكان لا يجوز لأي فرد من أي جنسية أن يصف نفسه بالمعنى الواسع للاصطلاح، وحتى كتابته كان ذلك شائعًا، فمصنفات جوزيفوس وفيلون تمتلئ بعبارات تصف بني إسرائيل في مصر بأنهم يهود “سكندريون” أو “مواطنون سكندريون” أو “سكندريون” وكلها مصطلحات دارجة لا تعني سوى “سكان بالإسكندرية”.
  • وأخيراً؛ وهو ما اعتقده شخصيًا، إذا كان اليهود لهم حقوق المواطنة متساوية مع الإغريق، فلماذا كانوا يلحون في طلبها لمدة قرنين على الأقل منذ عهد أوغسطس وحتى عهد دوميانوس.

والآن؛ بعد أن استعرضنا كل ما جاء في خطاب كلوديوس بأي ناحية يمكن لنا أن نحكم على رؤية الإمبراطور للأمور؟ لا شك أنه في محاولة إرضاء الطرفين فشل في أن يرضي أحدًا وبالتالي استحق غضب كليهما، فالإغريق لم يحصلوا على مجلس الفولي Boule واليهود لم يكتسبوا حقوق البوليتيا. والمؤرخ الروماني تاكيتوس الذي كان معاصر للإمبراطور يصوره في شكل رجل عاجز ذهنيًا(2)، بينما المؤرخون التاليون يؤكدون أن ما اتخذه من قرارات لم تنم عن خبل أو عته، وهما الصفتان التي اتسم بهم جايوس كاليجولا. أما الباحثون الجدد فقد شهدوا له بحصافة الرأي والحنكة السياسية والكياسة في معالجة الأمور، ونحن نزيد على ذلك بأنه كان ذو نظرة ثاقبة موضوعية، فلم يكن يأخذ بمجرد الالتماسات المكتوبة بقدر ما كان يؤمن بضرورة المواجهة الشخصية، ولم يكن رده القاطع على أي مظلمة إلا بعد أن يقلب الأمر على مختلف وجوهه قبل أن ينصف أو يخيب رجاء أي شاكً.

ولا ندري إلى أي مدى أفلحت رسالة الإمبراطور كلوديوس في تهدئة الفريقين. لكننا نعلم من إحدى البرديات من المجموعة المعروفة عند الدارسين باسم “أعمال الشهداء السكندريين”
Acta Alexandrinorum أن وفودًا جديدة من الإسكندريين واليهود قصدت كلوديوس في عام 53م لعرض شكواها، مما يدل على أن المشكلات بين الفريقين لا تزال قائمة، غير أن الإمبراطور انحاز هذه المرة إلى اليهود الذين كان يتحدث باسمهم الملك أجريبا، وانتهى الأمر بصدور حكم الإعدام على زعيمي الوفد الإسكندري.(3)

وعلى أي حال؛ ما لبث الرجل أن أخلى الطريق للجميع، فقد تناول في العام التالي وجبة غذائية شهية من عيش الغراب كانت “أخر ما أكله في حياته”، وذلك أثر السم الذي وضعته له زوجته بعد أن ضمنت تأييد الحرس الإمبراطوري لها بتولي ابنها نيرون العرش.(4)

خاتمة

والخلاصة؛ أن الإمبراطور كلوديوس أقر لليهود بكافة الحقوق والامتيازات السابقة التي كانت لهم، وأصبح في إمكانهم حينئذ أن يباشروا في حرية تامة عباداتهم وطقوسهم الدينية، وأن يعيشوا وفقًا لتقاليدهم المتوارثة، ولكن من ناحية أخرى أغلقت أمامهم كل السبل التي كان من الجائز أن تفضي بهم إلى نيل حقوق المواطنة في الإسكندرية. وبذلك ظلوا بعيدين عن هيئة مواطني المدينة لا يستطيعون الاندماج فيها أو نيل امتيازاتها، وبالتالي فشلت كل محاولة بُذلت للتوفيق بين اليهود والإغريق، وإذا كان الإغريق قد عبروا عن موقفهم من اليهود بكلمات واضحة لا تعوزها الصراحة فحواها أنهم لا يريدون في صفوفهم قومًا غرباء عنهم، وكان قرار فلاكوس صريحًا هو الآخر عندما اعتبر اليهود غرباء وأجانب عن المدينة، فإن الإمبراطور كلوديوس بإبعاده اليهود عن الجمنازيوم ومبارياته قد قذف بهم في أحضان تلك العناصر المتطرفة التي كانت تعارض كل محاولة للتقريب بين اليهود وبين الإغريق.(5)

________________________

(1) زينب توفيق، المحاضرات السابقة، (غير منشورة).

(2) رسم الكتاب المعاصرون لكلاوديوس صورة سيئة، فصوروه على قدر من الضعف والتردد والبلاهة، ومن هؤلاء الكتاب الفيلسوف سنيكا والمؤرخان تاكيتوس وديوكاسيوس.

(3) فاروق حافظ القاضي، المرجع السابق، ص 180 – 181.

انحدرت المحاورات والمناقشات إلى سباب شخصي بين الإمبراطور من جانب وايزيدوروس ولامبون من جانب آخر، وحكم على هذين المبعوثين من قبل السكندريين بالإعدام، وقد رفعهما إغريق الإسكندرية إلى درجة الشهداء الذين استشهدوا في سبيل قضية وطنهم ضد روما.

محمد السيد محمد عبد الغني، لمحات من تاريخ مصر تحت حكم الرومان.- الإسكندرية: المكتب الجامعي الحديث، 2001. ص 89.

(4) وقد فعلت ذلك لخوفها من أن كلوديوس سوف يعين أبنه الأصيل وريثًا على العرش، حيث أن نيرون كان ابن زوجته أجريبا من زوج لها قبله. أنظر: مصطفى كمال عبد العليم، محاضرات في تاريخ الإمبراطورية الرومانية.- القاهرة: جامعة عين شمس، 1999. ص 56.

(5) مصطفى كمال عبد العليم، اليهود في مصر. ص 56.

رحلة

بيني وبينَ خريفها رحلةً أو رحلتان،،،،

………

هي في حديقتها أُنثى
تغازل شَعرها، وترتب أمرها
وتعلم ألازهارَ درس العنفوان.

……………………

هي أمامَ جمالها سحراً
وحكاية أُخرى،،  نَبتت على الشطّان زهرَ الاقحوان.

…………………….

هي في الصباحِ جريدةٌ. كُتبت.
بقطر دموعها وبماء ربوعها
وبصمت حروفها إرتضى المعنى بطعمِ الأرجوان.

……………..

وأنا أمام هذا الصمت
أنسجُ قصتي وخريطتي
بين الحقيقة والبنفسج والمكان.

…………

لكنني،،، ما عدت أدري كيفَ تغتال السنابلُ قمحها عند الظهيرة.
وقت الطبيعة والحصى والزعفران.
إذاً
لا بدَ من صيفٍ طويلٍ كي اقول حكايتي
لا بد من درب طويل كي يعاتبني الزمان.

وليد سليمان، في 2006/05/13

الصراع اليهودي – الإغريقي بالإسكندرية في عصر الرومان (الجزء 5)

الإمبراطور كلوديوس (41 – 54م):

تبؤ كلوديوس العرش خلفًا لابن أخيه كاليجولا، فاستبشر اليهود خيرًا، وطلبوا من أجريبينا التوسط لديه لحل مشاكلهم، ويقص علينا جوزيفوس أن الإمبراطور استجاب لمساعي صديقه، فبعث للإسكندرية منشورًا أعاد به امتيازات اليهود التي كانوا يتمتعون بها قبل استشراء الفتنة، جاء به: “أن اليهود الإسكندرين كانوا شركاء السكندريين الإغريق في سكنى المدينة منذ الأزمنة الغابرة…” وإن إنزال جايوس بجنونه أمة اليهود إلى الضرب الأسفل يعد غورًا (ظلمًا) لا يرضى عنه (كلوديوس). وبالتالي أوصى بألا يحرموا من حقوقهم لأي سبب، وأن يستمروا في مراعاة عاداتهم وتقاليدهم بحرية، وأنه قرر منح كافة رعاياه من يهود الإمبراطورية نفس حقوق بني جلدتهم بالإسكندرية. وأنه يحذرهم في كل مكان من الاستخفاف بمشاعر غيرهم من الوثنيين (الإغريق) الذين يعيشون بين ظهرانيهم.

ولكن إمعانًا في النكاية بالإغريق، جاء الملك أجريبا بنفسه للإسكندرية لقراءة المنشور في اجتماع رسمي،(1) وهنا تراءت لأبناء يعقوب أن الفرصة حانت للثأر من أبناء زيوس، ذلك أنهم وطوال أربعة أعوام ظلوا يجمعون السلاح احتساباً لتجديد النزاع، وإنهم استقدموا يهود من فلسطين دخلوا مصر متسللين لشد أذرهم ضد الإغريق.(2) وعندما علم الإمبراطور ببداية تجدد الأحداث أصدر أوامره لجوليو Jullio الوالي بقمع الفتنة بعنف قبل انتشارها. وفي خلال أيام هدأت الأحوال وبادر الفريقان إلى إرسال تهنئة، وقد كانت في ظاهرها تهنئة للإمبراطور لتولي العرش، وأما باطنها التماس مطلب محدد لكل منهما: إعادة البوليه Boule مجلس الشورى (الإغريق)، اكتساب البولينيا Politeia (اليهود).

على هذين المطلبين بعث كلوديوس رسالة إلى الإسكندرية قام الوالي بإذاعتها للسكان يوم 14 هاتور/ 10 نوفمبر من نفس العام، وهي الوثيقة المشهورة باسم “خطاب كلوديوس إلى السكندريين”، The Letter of Claudius to the City of the Alexandrians وينقسم هذا الخطاب لثلاثة أقسام، ويختص كل فريق بأحدهم، ويتعلق الأخير بمسألة تكريمه بالإلوهية.(3) ويجدر بنا قبل أن نناقش الخطاب أن نذكر بعض الفقرات التي تعنينا فيه:

“أما عن Boule فليس في وسعي أن أقول ما هي السنة التي درجتم عليها منذ عهد الملوك القدماء (الملوك البطالمة)، ولكنكم تعلمون جيدًا أنه لم يكن لديكم مجلس في عهد مَن سبقوني من الأباطرة (أوجسطس – جايوس)، وحيث أن ذلك الموضوع جديد يثار الآن لأول مرة ولا يتضح إذن ما كان سيعود بالفائدة على المدينة وحكومتي. وقد كتبت إلى الوالي إيميلوس ركتوس ليبحث المسألة، ويخبرني ما إذا كان من الضروري إنشائه وكيفية الوسيلة لإنشائه إذا تبين إنه ضروري، وأما عن المجموعة المسئولة عن حرب اليهود فعلى الرغم من أن سفرائكم ولاسيما ديونيسيوس ابن ثيون قد دافعوا دفاعًا مجيدًا إلا أنني لم أشأ أن أقوم بتحقيق دقيق مختزنًا في صدري سخطًا دفينًا على من يبدأ العدوان، وإنبائكم صراحة إنكم إن لم تتوقفوا عن تبادل العداء فسوف أضطر إلى أن أظهر لكم كيف يصير الحاكم الحكيم عندما يتملكه الغضب، ولهذا فإنني من ناحية أناشد السكندريين أن يظهروا روح التسامح والود لليهود الذي يعيشون في نفس المدينة منذ زمن طويل، ولا ينتهكوا شعائر عبادتهم الدينية، بل أن يدعوهم يمارسون تقاليدهم وأعرافهم التي اعتادوها منذ أيام أوغسطس المؤله والتي أقررتها أنا كذلك بعد أن سمعت أقوال الطرفين..

ومن ناحية أخرى فإنني أأمر اليهود صراحة بألا يضيعوا جهودهم في السعي وراء امتيازات أكثر مما حصلوا عليها من قبل، وألا يرسلوا بعد اليوم بوفدين وكأنهم يعيشون في مدينتين، فذاك أمر لم يحدث أبدًا من قبل، وألا يقحموا أنفسهم جيمازيوم gymnosium (مباريات معاهد التربية) بل عليهم الانتفاع بما في حوزتهم من امتيازات، والتمتع في مدينة ليست مدينتهم بوفرة من الخيرات، وعليهم ألا يستدعوا يهود ممن يفدون من سوريا أو مصر من خلال النهر، حتى لا يثيرون في نفسي الشك والريبة تجاههم، وإن لم يمتثلوا لانتقمن منهم بكل الوسائل لوصفهم قوم ينشرون الوباء في أنحاء المعمورة. وأما إن كف كل منكم عن هذه الأعمال، ورضي أن يعيش في تسامح مع الآخر، فسوف أهتم من جانبي اهتمام كبير بالمدينة التي تربطها بنا صداقة تقليدية قديمة”.(4)

النص يحمل في طيه العديد من النقاط التي نستشف منها ما يلي:(5)

أولاً: أن كلوديوس استعمل لهجة الرجاء مع الإغريق، وبعض المصادر تعتقد أنه كان يتملقهم ويحثهم أحيانًا على استعمال النخوة بألا يسيئوا إلى إخوان موسى الذين عاشوا بجانبهم قرون طويلة منذ الفتح المقدوني خلال عصر الملوك البطالمة، فهو يستحلفهم أن يغضوا الطرف عن اليهود تاركين إياهم يقيمون الطقوس حسب ناموسهم السماوي. وفي نفس الوقت يقطب جبينه لليهود مستخدمًا لهجة الأمر والنهي أملاً في أن يتوقفوا عن الخبث والدهاء الذي يستفزون به الإغريق مما يحطم أعصابهم. وربما يقول القائل أن العاهل لم يكن محايدًا بين الفريقين، ولكن إذا عرفنا أنه رفض أن يقام له تمثال بالإسكندرية مراعاة لشعور اليهود الذين قد يتهمونه بالانحياز للإغريق، فإننا نكون قد أخطائنا في الحكم على هذا الرجل.

ثانياً: التملص بلباقة من مطالب الإغريق بإنشاء مجلس الشورى Boule مدعيًا أن هذه المسألة تُطرح عليه لأول مرة، وأنه أوكل إلى الوالي إيميلوس راكتوس دراسة الموقف وكتابة تقرير وعرضه عليه، عما إذا كان من الممكن إعادة تأسيس المجلس المذكور، ولابد أن كلوديوس كان ماكرًا في معالجته لهذا الموضوع. فمن العسير تصور أنه كان يجهل أنه سبق وتقدموا بنفس المطلب لدى كل من أوجستس وربما تيبريوس وكاليجولا. ومن جهة أخرى؛ أن الإغريق لم يجول بخاطرهم شيء أخر سوى الـ Boule ولكن الإمبراطور تخلص من إلحاحهم وأدخلهم في متاهة لا يعرفون كنهها ولا كيانها، حيث أخذ يشير إلى الصلة الوسيطة التي تربط بين بعض أفراد البعثة مثل ارتميدورى، وليونيداى، وخايرموند بأسرة يوليوس كلوديوس.    

ثالثًا: إبداء الدهشة المشوبة بالاستياء منه بتوجيه اليهود بعثتين (وفدين) كما لو كانوا فئتين تقطنان جهتين مختلفتين من العالم. والباحثون يحتارون في تفسير تلك المعضلة، فمنهم مَن يعتقد أن المقصود بعثتي جايوس وكلوديوس وهو رأي غير صائب، ومنهم مَن يظن أن إحداهما تمثل المواطنين اليهود والأخرى لغير المواطنين منهم. ومنهم مَن يرى أن واحدة تختص باليهود الغلواء المتزمتين وأخرى المعتدلين المتحررين وهو الرأي الأصلح والأقرب إلى الصوب. وقد اتهم الإمبراطور اليهود بالطمع والتطفل والغيرة ونصحهم بأن يقنعوا بالامتيازات التي كفلتها لهم الإدارة الرومانية، فلا يلحون في تحريكها إلى حيز أوسع،(6) وألا يزجوا بأنفسهم في نشاطات تظاهروا دومًا باستهجانها والنظر لها باشمئزاز، وأنظرهم من محاولات محاكاتها. فقد وصفهم صراحةً بلفظ إبسبين Epispaiein ومعناه أن يحكم الإنسان نفسه، ومن المؤكد أن كلوديوس كان يعني أن عادات وتقاليد الإغريق تتنافى مع ما تنص عليه الوصايا العشر اليهودية، وبالتالي فإن “حشر اليهود أنفسهم في المرحلة التعليمية الأولى المسماة عند الإغريق Gymnasion كان لابد للأولاد أن يتم تدريبهم على الرياضة البدنية وهم عراة تمامًا، ومن هؤلاء التلاميذ الصغار كان يبرز الأطفال الرياضيون الكبار الذين يتنافسون في المهرجانات العالمية وهم أيضًا عراة تمامًا“.

الواقع أن هذه الرسالة تنم عن فطنة ولباقة دبلوماسية(7)، ولكنها لم ترضي اليهود لأنها قضت على أملهم في الحصول على المزيد من الامتيازات، ولم ترضي كذلك الإسكندريين لأنها أقرت لليهود حقوقهم وامتيازاتهم القديمة.

الآن يبدو واضحًا أن حجر الزاوية في هذه المرحلة كان حقوق المواطنة التي ثارت بشأنها جدلاً طويلاً، وهذا يجرنا إلى مناقشة النقطة الشائكة وهي، هل كان اليهود مواطنون سكندريون؟

_______________________________

(1) محمد السيد محمد عبد الغني، لمحات من تاريخ مصر تحت حكم الرومان.- الإسكندرية: المكتب الجامعي الحديث، 2001. ص 88.

(2) فاروق حافظ القاضي، المرجع السابق، ص 177.

(3) مصطفى العبادي، الإمبراطورية الرومانية: النظام الإمبراطوري ومصر الرومانية.- ط1.- الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية، 1999. ص 128.

(4) أنظر: نص خطاب كلوديوس إلى السكندريين. عبد اللطيف أحمد علي، المرجع السابق، ص 106 – 108.

Letter of the Emperor Claudius to the Alexandrians [ P. London 1912 ],from Select Papyri II [Loeb Classical Library].- ed. A.S.Hunt and G.C. Edgar,1934.  pp. 78-89, adapted available in 5 Aprial 2011 at: (http://www.csun.edu/~hcfll004/claualex.html).

(5) زينب توفيق، المحاضرات السابقة، (غير منشورة).

(6) فاروق حافظ القاضي، المرجع السابق، ص 180.

(7) عبد اللطيف أحمد علي، المرجع السابق، ص 157.

الصراع اليهودي – الإغريقي بالإسكندرية في عصر الرومان (الجزء 4)

الإمبراطور جايوس “كاليجولا” (37 – 41م):

فجأة في صيف عام 38م أتيحت الفرصة لأبناء زيوس لينفثوا حقدهم في أبناء يعقوب، حدث ذلك عندما قرر الأمير أجريبا(1) Agrippa أن يمر بالإسكندرية في بداية شهر أغسطس وهو في طريقه من روما إلى فلسطين لتولى حكم مملكته،(2) وقد اندهش الإغريق لهذا الصعلوك الذي كان حتى الأمس لا يملك شَرْوَى نَقِيرٍ ثم أصبح ملكًا في لحظة. وساءهم الموكب الملكي الذي أعده اليهود لاستقباله ليشعرون الفريق العدو بما لهم من سند وظهر، فقرر هؤلاء بدورهم “الأغريق” أن ينكلوا باليهود في شخص ضيفهم، فأحضروا معتوهًا دميم الخلقة كان معروفًا باسم كراباسKarabas  وألبسوه تاجًا من لحاء البردي وعباءة من السجاد البالي، ووضعوا في يده صولجان من فرع شجرة، وطافوا به شوارع المدينة بلفظ “مارن” Marain أي “الملك”،(3) وبقدر ما كان الإغريق أشرار كانوا أيضًا دهاء، لأنه خشيةً من غضب الإمبراطور جايوس Gaius للإهانة التي لحقت بصديقه، فتفتق ذهنهم عن حيلة يوقعون بها بينه وبين اليهود.

وكانت وسيلتهم في هذا هي كاليجولا Caligoula نفسه، فمن المعروف أنه فرض على رعاياه ألوهيته(4) وتنصب تماثيله بجميع معابد الإمبراطورية (الإسكندرية ومصر) ونظرًا لأن اليهود إناس موحدون لا يؤمنون بغير الواحد الأحد إله آخر، فكان من المحال أن يعترفوا بجايوس رب أو يسمحوا بوضع تماثيل لأي بشر في أماكنهم المقدسة مهما جَل قدره ومهما علا شأنه. استغل الهيللينيون (الإغريق) ذلك وقاموا باقتحام المعابد اليهودية Synagoges عنوةً وزرعوا بها تماثيل الإمبراطور وعلقوا على جدرانها أيقونات Eikones وبالطبع استاء اليهود وعز عليهم انتهاك حرمة أماكن الصلاة، فلجئوا إلى الوالي فلاكوس Flaccus (والي مصر ومقره في الإسكندرية)(5) يشكون له، لكنه بدل من إنصافهم فضل الانحياز إلى الإغريق، لأن ذلك يقربه من سيده، فاتهم بعدم الولاء لروما وأصدر منشورًا يحدد فيه وضعهم الدستوري بالإسكندرية بوصفهم “جالية أجنبية دخيلة”.(6)

وأقام فلاكوس من نفسه قاضيًا يحكم وجعل من الهيللينين جلاد ينفذ، فطردوهم من مساكنهم في الأحياء الأخرى وحصروهم في الحي الرابع(7) Delta حيث نكلوا بهم ضربًا بالهروات ورجمًا بالحجارة، ودمروا متاجرهم ونهبوها، وفتشوا منازلهم ودكوها، وانتهكوا معابدهم وأحرقوها، ومنعوهم من الخروج للأسواق لتجويعهم، وكبلوا 38 شخص من كبرائهم Gerountes على باب المسرح وساطوهم، وساقوا فئة من النسوة إلى داخل المسرح ولقموهن قهرًا لحم الخنزير على مرأى من الجمهور المحتشد.(8) وهكذا؛ شفى الإغريق بعض غليلهم  بمشاهدة ألوان العذاب تنزل باليهود، بينما أصبح هؤلاء اليهود في حالة يرثى لها لدرجة أن أطفالهم كانوا يلتمسون في أكوام القمامة نفايات يسدون بها رمقهم ومثوى يأوون إليه للنوم.

وما أن انقشعت الذوبعة في أول سبتمبر حتى استرد اليهود وعيهم وقرروا آلا يستكينوا على الهوان الذي حاق بهم، فرفعوا مظلمة إلى جايوس عن طريق صديقه أجريبا أنحوا فيها باللائمة على فلاكوس الذي يشهد به فيلون فيقول: “إنه لعنة سلطت على بني قومي، كان حكمه إبان عهد تيبريوس (ثاني الأباطرة) يتسم بالكفاءة والنزاهة، لكن ذمته فسدت وباع نفسه رخيصًا لأعدائنا، كما باعها من قبل لأعداء الإمبراطور”. وهكذا؛ استيقظت الذكريات عند جايوس فقرر إحضاره مكبلاً إلى روما،(9) فيقول فيلون Philon أن ذلك حدث أثناء الاحتفال بعيد الهيكل بعد حوالي شهر من ميلاد الإمبراطور، الذي تعمد فلاكوس تعطيل برقية التهنئة التي أرسلها اليهود إلى جايوس في عيد ميلاده. وكانت هذه الليلة عاصفة من ليالي الشتاء عاني فيها فلاكوس من رحلة شاقة، وبعد محاكمته حُكم عليه بالنفي إلى جزيرة أندروس Andros وصودرت جميع ممتلكاته. وبين فيلون بطريقة مؤثرة الحالة النفسية لفلاكوس وهو في المنفي، ويقول أن شعور بالبؤس انتابه منذ وصوله وتشتت فكره وظل يناجي ذاته قائلاً: “بأن اللوم يقع عليه، وأن العقوبة التي قضى بها الإمبراطور هي حق”. وتأتي الخاتمة – كما يقول فيلون- عندما يقرر جايوس إعدامه لأنه رأى أن حياة المنفى تسير على ما يرام وكأنها لا تشكل عقاب، وتصف المقالة “ضد فلاكوس In Flaccus” الطريقة والوسيلة التي جرى بها تنفيذ الحكم، ويؤكد الكاتب أن “قدر الوالي أظهر بجلاء أن الله يرعى أمة اليهود”.

وفي خلال عام نظم كل من الفريقين بعثة تمثلهم أمام الإمبراطور، ولم يعترض الوالي الجديد بوليو Pollu فوصلت البعثتان إلى روما خريف 39م وظلتا في انتظار المقابلة السامية حتى صيف سنة 40م. ويحكي فيلون في مقالته التالية “السفارة إلى جايوس(10) Legatio Ad Gauim” عن المناقشات التي جرت حامية بين اليهود والوفد اليهودي برئاسته شخصيًا، وبين الوفد الإغريقي برئاسة أبيون Apion، وبين الإمبراطور، فكانوا يلاحقون الأخير صعودًا وهبوطًا على سلم القصر وهم يلهثون من الجري والكلام في وقت واحد.(11) الوفد الأول، لم يتعدى مطلبه بالحق في إقامة شعائرهم الدينية بحرية تامة، والاعتراف بوضعهم كمواطنين Politui متساويين في الحقوق المدنية IsoPoliteia بينما كان دافع الوفد الأخر، أو بالأحرى مهمته الرئيسية هي عرقلت حصول هؤلاء على حقوق المواطنة السكندرية، أو حتى الاعتراف بهم كـ سكندريون Alexandreis .

ويبدو أن الأقدار هي الأخرى كانت ضد بني يعقوب، فقد حدث – لسوء حظهم- أن يهود فلسطين في ذلك الوقت قاموا بتدمير مذبح أقامه الإغريق للإمبراطور في بلدة يامنيا Jamina فأصدر الإمبراطور أوامره لبترونويس Petronius والي سوريا، بأن يصنع تمثال ضخم له، ويتم تنصيبه ليس في معبد الإغريق، بل إلى جانب الهيكل داخل قدس الأقداس بمعبد سليمان في أورشليم.(12) ولم يكتفي بهذا بل حَمل يهود الإسكندرية وزر يهود فلسطين، فكان رده على مطالبهم أن حرمهم من كافة امتيازاتهم التي كانت لهم منذ عهد جده الأكبر أوغسطس، لأنهم على حد قوله “أناس كفرة لا تؤمنون بألوهيتي”.(13)

ولنا أن نتصور كيف تزمرت سفارة وابتهجت سفارة أبيون، فوجدتها فرصة لنيل مأربها، فوجه رئيس الوفد قوله للإمبراطور: “مولاي إن بغضك لهم قد يزداد إذا علمت أن رعياك قد قدموا لك القرابين، بينما اليهود لا يؤدون لك واجب الاحترام، لأنهم لا يركعون لغير الله”. ويستطرد فيلون أن اليهود لم ينالوا من مناقشتهم مع جايوس أي طائل وأنه أخيرًا قام بطردهم من حضرته(14)، فامتلئوا رعبًا عندما تصوروا ماذا عساه أن يحدث لو عادوا إلى الإسكندرية بخفي حنين حيث تكرر المأساة من جديد. وعلى الرغم من أن نهاية المقال مفقودة إلا أننا من السهل أن نستشف من بين السطور أن الخاتمة التي يمكن لفيلسوف عظيم مثل فيلون أن يضعها تكون على النحو التالي:(15) “إن إلهانا Yahveh (الله) قد أنقذ شعبه المختار من ذلك المأْفونٌ باغتياله في بداية عام 41م”(16)

________________

(1) حفيد هيرود الكبير، قضى شطرًا من حياته بالقصر الإمبراطوري في روما مع أبناء الأسرة المالكة، وفي فترة بدد ثروته بإسرافه وبذخه حتى أثقلت الديون كاهله، ففر للإسكندرية يلتمس المعونة من بني جلدته. ثم عاد لروما بعد سداد الديون وتحسنت أحواله ونال الحظوة لدى كاليجولا Caligula . وقد منحه الأخير حكم مملكة صغيرة على حدود بلاد يهوذا Judaea في فلسطين، وكان يمر بالإسكندرية ويرافقه حرس شخصي وهو في طريقه من روما إلى هناك. أحضر الإغريق معتوه ذميم الخلقة أسمه كراباس Karabas وألبسوه عباءة من السجاد البالي، وتاجًا من لحاء البردي، وصولجان من فرع شجرة. وطافوا به شوارع المدينة بلفظ مَارنْ .. مَارنْ أي الملك.

(2) راجع: Agrippa and Alexandria, 38 C.E
Daniel R. Schwartz, Agrippa I: the last king of Judaea.- Tubingen: Mohr, 1990. PP. 74 – 77 Sandra Gambetti, The Alexandrian Riots of 38 C.E. and the Persecution of the Jews: A Historical Reconstruction. Supplements to the Journal for the Study of Judaism 135. Leiden/Boston:  Brill, 2009. (Chapter Seven: Agrippa in Alexandria)

(3) أبو اليسر فرح، المرجع السابق، ص 177.

(4)  في 18 مارس سنة 37م ارتقى عرش الإمبراطورية جايوس قيصر المعروف بـ كاليجولا ابن جرمانيكوس. وقد اشتهر بأعماله الجنونية، وعرف عنه إسرافه في شهواته الجنسية وإغداقه الأموال على العاهرات، وأمر من ذلك أنه أرغم أخته دروسيلا على الطلاق من زوجها ثم عاشرها معاشرة الأزواج. وقد أصابته لوثة بعد وفاة أخته وأحب الناس إليه. وفضلاً عن حداثة سنه، فقد زينت له أوهامه أنه فوق البشر، فطالب رعاياه بتأليهه وإقامة تماثيله بمختلف المعابد، وبعد أن أظهر الخضوع لأعضاء مجلس الشورى Boule لم يلبث أن طالبهم أن يقبلوا قدميه تبجيلاً وتعظيمًا.

(5) افيليوس فلاكوس: عين واليًا على مصر بأمر الإمبراطور ثيديوس عام 32م. وقد أرسل كاليجولا Caligula إلى الإسكندرية قوة عسكرية تحت إمرة قائد سرية يدعى باتوس، وحرصت على أن تنزل الميناء ليلاً، واتجهت داخل المدينة لبيت قائد الجيش الروماني، وأبلغته بأمر القبض على الوالي. وبحثت عن فلاكوس في كل مكان وعرفت أنه مدعو في وليمة عند أحد أصدقائه فاقتحمت المكان وألقت القبض عليه، ونقل إلى روما مكبلاً في أكتوبر 38م.

H. Box, Philonis Alexandrini In Flaccum, London 1939 Philo of Alexandria, The Legatio ad Gaium, trans. with commentaries by E. Mary Smallwood .-Leiden, 1961.

(6) أبو اليسر فرح، المرجع السابق، ص 177.

(7) سيد احمد علي الناصري، المرجع السابق، ص 148.

(8) عبد اللطيف أحمد علي، المرجع السابق، ص 89.

(9) محمد السيد محمد عبد الغني، لمحات من تاريخ مصر تحت حكم الرومان.- الإسكندرية: المكتب الجامعي الحديث، 2001. ص 87.

(10) راجع:

Philo of Alexandria, The Legatio ad Gaium, /trans. with commentaries by E. Mary Smallwood.- Leiden, 1961. Available in 16 April 2011 at: (http://www.history.umd.edu/Faculty/BCooperman/NewCity/Gaius.html)

(11) محمد السيد محمد عبد الغني، لمحات من تاريخ مصر تحت حكم الرومان.- الإسكندرية: المكتب الجامعي الحديث، 2001. ص 87.

(12) الواقع أن بترونيوس رأى أن هذا الإجراء قد يدفع اليهود إلى الثورة، ومن ثَم تلكأ في تنفيذ هذا الأمر حتى أعفاه موت الإمبراطور من تنفيذه.

(13) أبو اليسر فرح، المرجع السابق، ص 187.

(14) خرج فيلون من هذه المقابلة وهو يقول: “إن يكن الإمبراطور ضدنا، فإن الله معنا”.

(15) زينب توفيق، المحاضرات السابقة،(غير منشورة).

(16) عن عمر يناهز التاسعة والعشرين، حيث سقط مدرجًا في دمائه من أثر طعنات الحرس الجمهوري الذي أهانهم الإمبراطور قبيل القيام برحلة إلى مصر، وقد أيدت باقي قوات الجيش اغتيال الإمبراطور.الموسوعة العربية العالمية، (نسخة إلكترونية).

اِعتـراف

هذا المساء….  أقول
يشُدّني شيءٌ إلى المجهول
في وصف آهات العذاب.
َفتَحتُ كل دفاتري.
ألقيتُ نفسي بين أحضان الكتاب

قلت الحقيقة.  نسبيّةً أو مطلقة.
لا تكترث إن مت شوقا يا أناي.
…..
ربع الحقيقة ….
نصف التأمل والتلملم في الضباب.

نصف الحقيقة ……….
وجع القوافي في اللقاءِ وفي الغياب.

كلُ الحقيقة ……………………..
وهمٌ تسرّبَ عندما اكتمل النصاب.

فابتعد عني الآن، يا قلبي
ارحل بكامل الأشواق من هذا السراب.

واسلك بوهمك لا بحلمك.
دروب الملح في التفاح والعنّاب.

(فتقول)

اِعزف على قلبي لحنا
يشابه طعم أحزانك

واعرف بأنَّ عواطفي يوما
تشابه شكل أوزانك.

وأنَّ الشمس في دربي
تُغيّرُ كل أحلامك.

عيوني حين ارسمها
تُلوّنُ خط أقلامك.

(فأقول)
لا تكترث إن مت شوقا يا أنا(ي)
لا تكترث إن مت شوقا في هوى سعدة.

الصراع اليهودي – الإغريقي بالإسكندرية في عصر الرومان (الجزء 3)

الصراع اليهودي – الإغريقي

لاشك أن اليهود العبرانيين باستثناء الاضطهاد الذي نسبته الأسفار المشكوك في صحتها “Apokerepha” إلى الملك بطوليمايوس الرابع “فيلوباتوز”، قد نالوا الحظوة عند الملوك البطالمة بسبب التسامح الديني والعرقي الذي ساد في عصرهم، ورغم الدسائس والمؤامرات التي كانت تحاك في دهاليز القصور، والتي كان ينخرط فيها الإغريق واليهود لمؤازرة هذا الطرف أو ذلك من أفراد العائلة المالكة للوصول إلى العرش خلال القرنين الثاني والأول ق.م، رغم ذلك لم يكن هناك أثر لموجة العداء للسامية بالمعني العنصري أو العقائدي، بل كان يرجع إلى عوامل سياسية فتحت باب الكراهية بين الطائفتين بحيث لم يتعدوا التعبير عنه الجدل الشعري ومهاترات الأقلام. أما عصر الأباطرة؛ فقد كان من سوء حظ روما أنها اتصلت بحضارة أعرق من حضارتها وأرقى، ذلك أنها ابتليت بثلاث شعوب موهوبة (المصريون – الإغريق – اليهود) نشب الصراع بين اثنين منهم ووقف الثالث متفرج، وكانت النتيجة علامة واضحة خضبت بالدماء وجه التاريخ، ولا نظن أننا نجاوز الحقيقة إذا قلنا أن العامل الرئيس هذه المرة كان اجتماعيًا باحتًا.

أول الأباطرة أوكتافيوس أوغسطس (27 ق.م – 14م):

عندما فاق الإغريق السكندريون من الذهول الذي أصابهم من اللطمة التي كالها لهم أوكتافيوس Octavianus (أول الأباطرة الرومان)، وجدوا أن مدينتهم أُنزلت من عُليائها كعاصمة لمملكة مستقلة (البطالمة) وستغدو مجرد فصل تابع لروما أي جزء جغرافي خاضع له. وآية ذلك أن سياسة أوغسطس Augustus نحو مصر ولاسيما الإسكندرية كانت تتسم بالحزم، فقد عمل على تحطيم عناصر القوة فيها فلا تعود أبدًا إلى سابق مجدها مما يجعلها خطر جسيمًا يعجز الرومان عن درأه، أو على الأقل مصدر قلق لا ترضى عنه روما بحال.(1) كانت أولى خطوات الإمبراطور كي يشعر شعب مصر بكافة أجناسه بسطوة روما أنه وزع حامية عسكرية ضخمة خصص منها للإسكندرية فرقة كاملة(2) legio لتأمين السيادة الجديدة فيها. وكان من الممكن أن يكظم الهيللينيون غيظهم ويتقبلون الوضع الراهن، لو أن المسألة انتهت عند هذا الحد، ولكن الفاتح الروماني لن يكتفي بإذلال المدينة العتيدة التي تعلم الأمم قاطبة ما هو تراثها الثقافي ومركزها الحضاري، بل بدا وكأنه يتعمد أيضًا إذلال مواطنيها الإغريق.(3) ومع ذلك؛ فإن أوغسطس لم يكن بالسوء الذي ظنه هؤلاء(4)، فقد أثبت حسن نيته نحوهم بأن أقر لهم وضعهم الممتاز، إلا أنهم كانوا يشعرون تحت الحكم الروماني أنهم تقهقروا مثل مدينتهم للوراء فأصبحوا معها يقبعون في الدرجة الثانية وينهض على ذلك دليلاً أنهم أفسحوا مكانهم شاءوا أم رفضوا للوافدين الرومان الذين احتلوا قمة الهرم الطبقي، كما أن أوغسطس حرمهم من مجلسهم(5) Boule لأن وجوده على حد قوله يتعارض مع سلطة نائبه في الولاية، ومع أن هذا المجلس لم يكن مسئولية الإمبراطور، إلا أنه برفضه السماح له بتشكيله كان يعتبر في عرفهم المسئول عن تجريدهم من تلك الهيئة الدستورية التي تعتبر أهم مقومات نظام البولس Poleis. وكان سوء الختام أن شريعتهم نحو اليهود كانت الحسنى، فلم ينتقص من امتيازاتهم التي اكتسبوها من عصر أسلافهم (الملوك البطالمة) بل زاد عليه فقضى بحقهم في ممارسة حياتهم داخل جاليتهم Politeumake طبقًا لتقاليدهم، وصرح لهم بإقامة مجلس شيوخ(6) Gerousia على غرار المجلس الإغريقي الذي كان للسكندريين بنفس الاسم، وهكذا خلق لهم حيثية طمعوا بمقتضاها في المواطنة السكندرية المقصورة على الإغريق.(7) والخلاصة؛ أن هذه الضربات الثلاث القاسمة أوغرت صدور الإغريق على أول الأباطرة وضد خلفاؤه من بعده، فشرعوا يناءون موظفي الإدارة المركزية ويناصبون المواطنين الرومان العداء وينددون بأن الاستبداد هو طابع الحكم الإمبراطوري، فكانت نقمتهم على روما تجب بالضرورة على اليهود باعتبارهم “صنائعها النجساء”، فكانوا يجدون في صب جام غضبهم على اليهود متنفسًا لهم عن غضبهم على الرومان، فضلاً عن الهجوم على أولئك كان أسمى عاقبة لهم من الهجوم على هؤلاء. وإذا كان العصر الروماني قد مرت بدايته بسلام(عصر أوغسطس تيبيريوس)، فإنه كان على وجه العموم يحمل في طياته لليهود مائة عام من المحن تجسدت في سلاسل من الاضطهادات العنصرية والمذابح الطائفية تتخللها فترات سكون.(8)

الإمبراطور تيبيريوس (14 – 37م):

كان تيبيريوس –ابن أوغسطس بالتبني- في السادسة والخمسين من عمره حين تولى العرش، وكان أقرب إلى التعاسة منه إلى السعادة،(9) فقد قست عليه الحياة في أحوال كثيرة. وفيما يتعلق بإدارة شئون الولايات، عرف عنه الحزم مع الولاة وتشدده في محاسبة جباة الضرائب، كما حسن نظام تحصيل الضرائب الأصلية في الولايات حتى راحت أكداس الذهب تتدفق على روما.(10)

وتشير الدلائل إلى أن الأمن الداخلي في ولاية مصر ظل مستتبًا حتى أواخر أيام حكم تيبيريوس، حيث قرر في عام 23م سحب فرقة من الفرق الرومانية الثلاث التي كان أوغسطس قد وضعها في مصر،(11) غير أن هناك ما يشير إلى أنه في أواخر عهد تيبيريوس لاحت في الأفق نذر اضطرابات متوقعة في مصر. يتضح ذلك من وثيقة بردية تضمنت أمرًا أو منشورًا أصدره والي مصر أفيليوس فلاكوس يحظر فيه على الأهالي حمل السلاح أو إحرازه، وينذر المخالفين بعقوبة الإعدام،(12) فإذا ربطنا بين هذه الوثيقة البردية وحديث الكاتب اليهودي فيلون عن تحامل الوالي على اليهود وقيامه بتفتيش منازلهم بحثًا عما قد يكون بها من سلاح دون أن يجد شيئًا، في حين وجد الكثير من السلاح المخبئ في منازل المصريين، استطعنا أن نفهم أن الاضطرابات المتوقعة ذات صلة بالوضع المتوتر في الإسكندرية بين اليهود والمواطنين السكندريين منذ ببداية الحكم الروماني، وهو وضع لم يلبث أن انفجر في أحداث عنف دامية بين الفريقين بعد موت تيبيريوس،(13) الذي كان أجدر حاكم للإمبراطورية الرومانية على وجه الإطلاق.(14)

_________________________

(1) عبد اللطيف أحمد علي، مصر والإمبراطورية الرومانية في ضوء الأوراق البردية.- طبعة مُنقحة.- بيروت: دار النهضة العربية، 1988. ص 83.

(2) عند ضاحية نيقوبوليس، وعدد أفراد الفرقة 6000 فرد.

(3) محمود إبراهيم السعدني، تاريخ مصر في عصري البطالمة والرومان: موضوعات مختارة.- القاهرة: مكتبة الأنجلو، 2000. ص 172.

(4) راجع: قيصر أكتافيوس/ إصلاح حكم الولايات: مصر سيد احمد علي الناصري، تاريخ الإمبراطورية الرومانية: السياسي والحضاري.- الطبعة الثانية مُنقحة ومزودة.- القاهرة: دار النهضة العربية، 1991. ص 57 – 67.

(5) أبو اليسر فرح، تاريخ مصر في عصري البطالمة والرومان.- الطبعة الأولى.- الجيزة: عين للدراسات والبحوث، 2002. ص 162.

(6) مصطفى كمال عبد العليم، اليهود في مصر في عصري البطالمة والرومان.- الطبعة الأولى.- القاهرة: مكتبة القاهرة الحديثة، 1968. ص 144.

(7) عبد اللطيف أحمد علي، المرجع السابق، ص 84 – 85.

(8) زينب توفيق، محاضرات في جزء من تاريخ اليهود / ألقيت في قسم التاريخ، كلية الآداب.- القاهرة: جامعة عين شمس، (فبراير – أبريل) 1998. (غير منشورة).

(9) أشرف صالح محمد  سيد، تيبيريوس: ثاني الأباطرة الرومان.- بيروت: شركة الكتاب العربي الإلكتروني، 2008. ص 33.

(10) عبد الرحمن الرافعي، تاريخ الحركة القومية في مصر القديمة من فجر التاريخ إلى الفتح العربي.- ط2.- القاهرة: دار المعارف، 1989. ص 183.

(11) رستوفتزف، تاريخ الإمبراطورية الرومانية الاجتماعي والاقتصادي/ ترجمة زكي علي، محمد سليم سالم.- ط2.- القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، 1957. ص 124.

(12) وذلك خوفًا من ثورتهم (فيكتور شابو، مصر الرومانية) على أن سكان الإسكندرية أظهروا حنقهم على اليهود عملاء الاستعمار الروماني. الرافعي، المرجع السابق، ص 184.

(13) فاروق حافظ القاضي، المرجع السابق، ص 168 – 169.

(14) أشرف صالح، “الملامح الشخصية لأجدر حاكم للإمبراطورية الرومانية”، موسوعة دهشة: قسم تاريخ أوربا.- منشور بتاريخ 31 مارس 2008.- متاح على الرابط: (http://www.dahsha.com)