ذكريات عاشق في عصر ما بعد الحداثة

كخيزرانة في مهب الريح كان “عبدو” يسير متمايلا من شدة السكر في الشارع المفضي إلى المجهول.. يتعثر في نتوء الشارع المسفلت فيسقط.. يستجمع كل قواه لينهض.. قال في سره: “لابد من سجارة..” وأخرج من سترته سجارة.. “السجارة وحدها القادرة على إراحتي..” قادته قدماه الى شارع أفضى به إلى بيت مهجور.. توقف متأملا الطلل، وأنشد هذا البيت لأمرؤ القيس وكأنه يستوقف صحبا مفترضا:

قفا نبكي من ذكرى حبيب و منزل            بسقط اللوى بين الدخول فحومل

وذرفت عيناه دمعة بحجم ليمونة.. لم يتذكر ساعتها سوى البيت و أهله، وكيف حلت بهم الكارثة… أيناك يا سميرة؟؟ .. كل شيء باق على حاله، إلا هي، اختفت كأنها لم تكن.. لم تحل و لم ترتحل، و ألمت به رغبة في البكاء، ولكنه لم يستسلم لها. ترى أين هي الآن؟؟ ماذا تصنع؟؟ و ماذا صنع الله بها؟؟ أتعيش على ظهر الأرض أم ترقد في باطنها؟؟ أين هي الآن؟

لكن ما جدوى ذلك؟ أيدوخ في شوارع مدينة “فاس” مناديا باسمها؟؟ أيطرق أبواب البيوت بيتا بيتا؟؟.. لله ما أعجزه وما أعجز حيلته.

كيف يداوي عجزه؟؟ ما نفع البكاء على ميت؟؟.. إن أنهارا من الدموع غير قادرة على إرجاع ميت… نعم إنها الآن في عداد الموتى.. في عينيه ميتة، وفي حية كجذوة نار خابية. لما لا ينساها و يريح نفسه؟؟ ألأنها قالت له يوما أنها لن تنساه؟؟ ألم يقل على سبيل الدعابة أنه لا يصدق امرأة سوى أمه… قد تكون نسيته.. وإن يكن فهو لن ينساها.. أدرك ساعتها أنه أدمنها، وإلا لماذا تتوق نفسه لرؤيتها؟؟

وحلت به لحظة ابتلع اليأس فيها ما تبقى له من كبرياء، و تمنى ساعتها لو كان كلبا.. أين سميرة؟ أين هي الآن؟؟ لا شيء.. صارت ظلا وطيفا تستحضره بوقوفك على هذا الطلل… وتردد في جوانحه بيت شعري للبارودي، يردده كلما استبد به الحنين إلى غائب:

تأوب طيف من سميرة زائر            وما الطيف إلا ما تريه الخواطر

ها هو ذا “عبدو” واقفا كالشحاذ أمام البيت الذي كان في يوم من الأيام بيتها… غير عابئ بحركة المارة من حوله. كان منظره مثيرا للشفقة.. وهو في غمرة ذكرياته، امتدت يد أمدّته ببضع دراهم.. تطلع في وجه صاحب اليد الممدودة، فإذا هي فتاة في ريعان شبابها، تتأبط حقيبة يدوية، وتمسك باليد الأخرى جريدة، يبدو من هيأتها أنها مثقفة.. جميلة المحيا، خصر نحيف، و صدر ممتلئ، ووجنتان يخالهما الرائي زهرتي رمان من فرط احمرارهما، قامة متوسطة، عينان لوزيتان.. ذكرته بسميرة، فأعاد إنشاد البيت:

تأوب طيف من سميرة زائر               وما الطيف إلا ما تريه الخواطر

وأردف قائلا:

ــ انك تشبهينها كثيرا آنستي.

ــ أشبه من يا سيدي؟؟

ــ سميرة.. أتعرفينها؟

ظنت أنه مجنون ليلى آخر، وظن هو أنها ظنت أنه عاشق من زمن عنترة العبسي. و استطرد خائب الأمل:

ــ أنت لا تعرفينها… سيدتي خدي دراهمك، لست متسولا، ولا أريد أن أكون كذلك.

ومد إليها يدين نحيلتين مرتجفتين رادا إليها دراهمها، أمسكتها و انصرفت تاركة إياه غارقا في الذكرى والذكريات العائدة من الزمن الغابر..

بحث في جيوبه عن آخر رسائلها، الرسالة التي يحفظها عن ظهر قلب، وراح يقلبها بين يده برفق كمن يقلب وثيقة تاريخية يخشى عليها التلف، و شرع يتلوا بصوت مسموع:

“بسم الله الرحمان الرحيم.

عزيزي عبدو:

ببالغ الأسى و الأسف، أبلغك يا من ملكت الفؤاد أن عائلتي قررت الرحيل بعيدا عن هاته المدينة التي طالما احتضنت كلانا، أنا و إياك. لن أنساك، ولن أنسى أبدا قصصك وأشعارك التي كنت تخصني بشرف سماعها، وتهبني النسخة الأولى قبل محرري الجرائد، وإنني قد قطعت على نفسي وعدا أن أحتفظ بها ما حييت، وسأعمل جاهدة على جمعها في كتاب واحد ونشرها باسمك من أول قصة إلى آخر قصيدة، و لن أنسى أن أهديها الى المرحومة أمك التي كنت تحدثني عنها كثيرا.

سأشتاق إليك عزيزي عبدو، مستحيل أن أنساك، وأنسى ما قضيناه معا… سأظل أنتظرك طوال عمري.

المخلصة: سميرة”

تنهد بصوت مسموع، وخبأ الرسالة التي لم تفارقه منذ أن رحلت، منذ عشر سنين لم تفارقه وكأنها تعويذة.

أيناك يا سميرة؟؟

سأطوي البلاد نهادها ووهادها إلى أن أعثر عليك، سلاحي وزادي أملي، أملي في أن أعثر عليك يوما ما. لا أحب أن أموت فوق السرير، أحب أن أموت وأنا ابحث عنك.. مستحيل أن أنساك.. …. مستحيل.

وهب واقفا، ودون أن يبدي حراكا، أنشد قصيدة بعنوان “المستحيل” لمحمود درويش، القصيدة التي كلما حمّّت ذكرى سميرة واستبد به الشوق إليها أنشدها:

“أموت اشتياقا
أموت احتراقا
وشنقا أموت
وذبحا أموت
لكنني لن أقول:
مضى حبنا وانقضى
حبنا لا يموت”

وكأنها ماثلة أمامه راح يبدي إعجابه وحبه لهذا الشاعر، الحب الذي لا يضاهيه حب، و الإعجاب الذي ما بعده إعجاب. ويخالها تقاطعه ـ كما كانت تفعل ـ مصطنعة الغضب:

ــ تحب محمود درويش أكثر مني.. تكذب علي.. لماذا؟؟

وخال نفسه يسائلها ـ كعادته ـ باندهاش مصطنع:

ــ أتغاريـــن؟؟

فتجيبه ضاحكة:

ــ أنا بدوري أحبه.

فيغرقان في ضحك صاخب. هكذا كان يكلمها بعد كل مرة ينشد فيها هذه القصيدة، وكأن هذا الحوار جزء من القصيدة. لكن أيناها الآن سميرة لتشاكسه بعد أن أنشدها؟؟ أنت الآن تحاور طيفا، سيظنك الناس مجنونا او أحمقا.

ودع البيت المهجور كآلة حربية قديمة بقبلة حارة طبعها على أحد أعمدته، كان كوثني يؤدي طقوسه وشعائره خاشعا، كان كمتصوف اتحدت روحه بروح خالقه.

كان الوقت عصرا والحياة تجري كيفما اتفق من خلال الضوضاء والحركة: أفواج بشرية في جلبة، شتيمة مجانية يتلقاها بائع سجائر، صراخ طفل فقد أمه في الزحام، امرأة مسنّة نسيها الموت تطلق عقيرتها بالصراخ: “شفار، شفار.. شد .. شد ولد الحرام داّلي بزطامي”، شاب وسيم يغازل فتاة سمجة… ذاب “عبدو” في الزحام تتقاذفه الدروب و الشوارع، وآلاف الأفكار تتفاعل في رأسه الصغير مسببة له ألما حادا وصداعا لا يطاق، قادته قدماه المتعبتان الى شارع أفضى به إلى بيت يكتريه منذ حل بالمدينة “طالبا”، وانتهى بها معطلا لا يجيد سوى التهام الجرائد ودواوين الشعر والروايات و القصص.

صعد السلم الحجري بالكاد يحمل جثته من فرط العياء. دلف الغرفة التي كان يسميها “زنزانة”، أشعل المصباح الكهربائي، واستلقى على السرير المتهالك… واستسلم للذكريات تنهشه…

في: أكتوبر 2010 ــ فاس (المغرب).

نبذة عن:

عبد الواحد الحمداني

عبد الواحد الحمداني من مواليد 1990 بمدينة تاونات بالمغرب. حاصل على شهادة الباكالوريا غير ممدرس بشعبة الآداب مسلك العلوم الإنسانية سنة 2009. وباكالوريا أخرى سنة 2010.. طالب بكلية الآداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز بفاس مسجل بشعبة الفلسفة.
حائز على شهادة تقديرية لمساهمتي في اليوم العالمي للشعر بذات الكلية. نشرت قصيدتي أنا والشمعة بكتاب محترف الكتابة الذي تصدره الكلية. هوايتي القراءة بكل أصنافها...

رابط المدونة: قلم الرصاص

عدد المقالات المنشورة: 8.

تابع جديد عبد الواحد الحمداني: الخلاصات

هل لديك تعليق؟

  • هل تريد صورة مصغرة بجانب تعليقك؟ يمكنك ذلك من خلال التسجيل في خدمة Gravatar. كما يمكنك الاستئناس بهذا الشرح.
  • يرجى التعليق باللغة العربية الفصحى، وباسم مكتوب بأحرف عربية.
© 2019 مجلة القراء.
هذا الموقع يستعمل وورد بريس المعرب، تصميم وتركيب دنيا الأمل.