عندما تدرك أنك..

كائن على الأرض…

اسمي سعيد ولكني لست كذلك أضنهم أخطئوا الاسم…

لا تسألني عن لماذا لم أحس بالسعادة في حياتي، لأني لم أرى السعادة بين الذين حولي، هؤلاء الأميين الذين يعشقون غرس الكراهية والحسد، في كل جسد ظهر أمامهم، حتى ولو كان من الأرواح البريئة والطاهرة المليئة بالحب والأمنيات، رغم ضياعها في ذلك المجهول الذي لا زلنا لم نصل لمعرفة ماذا يخفيه.

لم أكن أخاف الموت أو ما بعده من الحساب والعقاب، بل كنت أخاف من الموت البطيء دقيقة بعد دقيقة، أحسست بأن علي مغادرة والتخلص من هذا الجمود الذي أعيشه في حياتي يوم بعد يوم، وقطع الصلة بين هذا العالم المادي. لا أعرف من الغريب أنا أم هؤلاء الذين حولي المجتمعون على الثرثرة الغير المنتهية،والكسل الذي صنع حياتهم وأصبح من سماتهم من أحاسيسهم من كيانهم، أصبحت لا أطيق الوجود بينهم أو سماعهم كلما تكلموا كلمة كانت تنقر نقرة في أذني،تخدش مسامعي وعقلي،وتجعلني أفقد حب هذا الكائن المغتر المذنب الصادق الكاذب…، بل أصبحت أفقد حب الأنثى والشهوات اتجاهها ولمسها وتقبيلها، والعيش بين أحضانها عندما يرخي الليل ستاره، لا لشيء سوى لأني لم أعد أحب أحد أن يشاركني حياتي وعذابي، وعيشي بين ضفتي الحياء والموت، أبتعد كل البعد عن مكان الحزن والظلام والبؤس لكنه لا يفارقني يتبعني أينما رحلت، نفسي التعسة التي عاشت في الفقر والتهميش بين أناس لم يعرفوا للسعادة مكان في بيوتهم، ولم ترسم يوما وجوههم التي تروي عن حرمان ومشقة مرت من هنا،لا تنتظر من يحكيها من صحفي باحت عن الحقيقة كيفما كان ثمنها، أو كاتب ثائر في وجه الظلم، لا مجال لمشاهدة الأفلام المركبة من واقع معاش.

القابلة وهي أول بشر رأيته، قبل أمي التي أجرمت هي وأبي في وجودي في هذا العالم، وأنا ألوم كل عين رأتني ولم تقتلني ولم تحاول حتى فعل ذلك ، أصرخ في وجه أمي لأنها لم تدعني أعيش في بطنها ولو دقيقة واحدة، كأنها تريدني أن أعيش العذاب الذي تعيشه، وهي لا تدري أنها أذنبت دنيا عظيما في إنجابي لطفل لن يعيش سوى الحرمان، والعيش على خطوط الفقر والضياع.

لا تلمني إن عشت حياتي بين أضلاع الهوى، لكي أشفي غليل معاناتي أو تائها بين دروب الاشتياق،أبحث عن ذلك الأب الغائب مثله مثل الهلال في غيابه. لا تسألني عن صداقته لأني لم أصادقه، لم أراه يلاعبني لا توجد حكاية بينني وبينه، لا أتذكر شيء عنه سوى أنه تائه في ملذات المعنويات، لا يعرف سوى عمله الغير المنتهي لا يعرف الراحة أبدا، ليس من أجلنا بل لأن ذاته تبحث عن ذلك لوجود حياته في العمل ولكي يُلبي طلباته المتوحشة، لا يريد تذكر الماضي لأنه يحمل له التعاسة، وما عاشه من فترة الجوع وموت أمه وهو في مقتبل العمر …

لم أكن أريد مناداته بأبي لما تحدث لي من تشنج للمشاعر ولقب لا يستحقه، لا طالما بحث عن أب غيره، ولطالما تمنيت أن يكون لي طفلا، أرعاه وأفرغ فيه شحنة من الحب والحنان الذي لازال يسكن قلبي، أصوره أقوم بنحته في ذاكرتي كنحات مبدع ينحت تمثالا، ثم يرسل فيه روح جامدة، تحدثنا بلغة غير لغتنا هذه، بل بلغة الأرواح التقية الطاهرة. كانت ملامحه دائما معي لأنها تخفف عني عنفوان أبي.

أخي المريض الذي لم يعرف الشفاء، كان يجلس عندما يتحسن قليلا في الشباك ينظر بعينيه إلى أصحابه، وهم في كامل الصحة يلعبون لا يعرفون عذاب الأيام، ينظر بحسرة على الأيام، ويتمنى لو يعود الزمان قليلا إلا الوراء ليستطيع اللهو معهم، لكن لا رجوع لزهور ذبلت بعد فقدها لرائحتها الزكية، كنت أردف عليه دموعا كلما رأيته على ذلك الحالة، وعينه شاردتان تكاد تسقط من شدة النظر إلى الحرمان…

أبي كل الأموال التي يجنيها تقوده إلى البارات لإكتساح الشراب، ليعود من جديد إلى البيت وعقله غائب عن الوعي، يصرخ في الحي بصوت عالي لتفتح أمي له الباب،يصرخ ويسقط على الأرض وتفتح له أمي الباب وتطلب منه السكوت، حتى لا يزعج الجيران لكن يرفض ويضربها ضربا مبرحا، ويسبها بكل الكلمات النابية ويتجه إلى أخي ويقول له:

“يا إبن الزانية ألا زلت مريضا كالعادة؟ أطلب الرب ليشفيك”.

وأخي نائم لا يتحرك، ويتجه إلى فراشه وينام، وتسرع أمي إلى أخي وهي تبكي وتدعو الله، أن يخلصها من هذا الرجل.

صباح إحدى الأيام كنت نائما حتى سمعت صراخ أمي، ظننت أن أبي عاد مخمولا، لكن سمعتها تقول: “مات ولدي مات ولدي!”، حين ادن استيقظت مذعورا من فراشي، لأعرف ماذا يحدث فوجدت أخي جثة هامدة، وعيناه مغمدتان، وجهه نورا أضاء ما بحوله … زارنا ليلة البارحة زائر غير مرئي، ليأخذ جسدا أهلكه المرض حتى أصبح هيكلا متلاشيا … غادرنا أخي لم يعد موجودا بيننا، أراده ربه أن يستيقظ في ذالك العالم، ذهب إلى مكان لطالما تمنته أمي لأبي.

كنت أنام لعلي أرتاح من سجن اليوم، ولعلي ألتحق بعالم أخي لكي أختبئ من تعب اليوم… أما الفرح فكان عبارة عن رشات،ليترك أثره في ذاكرة عقل لا يستوعب سوى الهم…

أشك دائما من أن هذا أبي، وأتساؤل هل يوجد أب يعامل إبنه هكذا؟ لا أدري قد يكون موجودا ولا أعرفه .هل هو مثلي يعيش قسوة الأيام وضلالها؟ التي كانت تلقيها علينا كلما إنفجرت علينا فجة من السعادة الزائفة. كيف نصنع إبتسامة والحزن حفر قبره في بيتنا؟ لا يكاد يفارقنا يلازمنا حتى الأفراح التي تكون فيها الناس في قمة الفرح. أما أن تطلب من فقير أن يناما سعيدا، وهو منقوع في فقره فهذا جنون ونفاقا. أمي تطلب مني الصبر حتى نستطيع الاستمرار، في هذه الحياة المكتوبة علينا ولعلنا نخرج من هذه العزلة عن العالم، ولنعرف سر كل هذه الابتسامة، أظن بأنهم لايعرفون معنا العبوسية، لا يعرفون كيف تكون الأصوات الآتية من الجسم،عندما لا تجد ما تغدي به أحشاء بطنك، ألا يعرفون بأن هناك أناسا موجودون من حولهم لا يعرفون معنى الابتسامة؟ لكن شيء بديهي أن نعيش تحت حذاء الفقر،لأنهم لا يوجد أناس يعتبروننا أو يدرون أننا موجودون، وأننا من طينتهم وأن الفرق بيننا وبينهم أنهم يرمون الطعام،عندما يتبقى في الصحن أما نحن فلا نجده.

أبي توقف عن العمل بسبب شربه الخمر ودخوله العمل، توقف المال ولو أنه كان قليلا، زاد همنا وعلى أمي إلا أن تبحث لها عن عمل، لكي ندفع أجرة الكراء وفاتورة الماء والكهرباء على الأقل، أما أبي فقد أصدر منه القسم، أنه لن يبحث عن عمل من جديد إذا خرج من العمل الذي كان فيه، وما عليه الآن سوى أن ينتظر آخر الشهر، لتأتي أمي بأجرتها من العمل كخادمة في البيوت، لكي يقاومها ويحدث شجار بينهما من أجل أن تمنحه المال، ويأخذ منها المال وهي تقاوم بكل ما أوتيت من قوة، لكن ماذا ستفعل أمام كائن جامد لا يعرف معنى الرأفة، انتزعت منه الرحمة والإنسانية وفقد ذرة الأبوية … وتجلس أمي تردف قطرات الحسرة وهي تسألني: “مادا سأقول لصاحب – هد الخربة – عندما يطالبني بمال الكراء؟”

وتستنجد ربي أن يخلصها من هذا الرجل وهذا الوضع، أما أبي فقد ذهب إلى البارات ليشرب كؤوسا من الخمر، ليشبع شهواته الثائرة التي أفقدته حاسة الإحساس، وأخرج أبحت عن مكان أخفي فيه دموع اليأس، أبحث ثم أبحث فلا أجد وأعود أدراجي إلى البيت، وخطايا لا تريد التوجه إلى ذالك المكان، تريد إبعادي تخاطبني نفسي بأن علي تغيير هذا الحال لكن كيف لي به؟ تشتد نفسي عندما أضع قدمي على عتبة بيتنا، كأني سألج جهنم أعود راجعا وأتفكر أمي التي تركتها،وحيدة منذ الصباح وبينما أن داخل حتى سمعت صراخ أمي، فضننت أن أبي عاد مخمولا، وهو الآن يضربها وألقيت بصري في الغرفة فوجدت أمي جالسة تبكي، والجيران من حولها ونظرت إليها، وسألتها مابك يا أمي؟ فأخبرتني أن أبي مات، فأرادت أن تخبرني بماذا أو كيف مات، فطلبت منها ألا تفعل ذلك، لا أريد أن أعرف. لم أردف عليه دمعة واحدة، وكنت أنتظر هذا اليوم بفارغ الصبر، بأن أسمع هذه الكلمة مات والآن هاهي أتت، وشعرت بأن البيت تخلص من هذا الشخص القدر، لأول مرة اشعر بشيء يدفعني، بل يأمرني بأن أطلق ضحكة عالية لا تتوقف، كان هذا اليوم أسعد يوما في حياتي، لن أنساه مادمت متواجد فوق هذه الأرض.

كنت أزور أخي في الروضة كل جمعة، لترحم عليه وعندما أكون خارجا أمر بقبر أبي وأقف إلى رأسه وأتحدث إليه، مخبرا إياه بأني كنت أود أن يعانقني ويقبلني من خدي، كنت انتظر منه أن يشتري لي ملابس جديدة، وأن نخرج جميعا إلى أتنزه، أخبرته بأني أكرهه وأن العاطفة إتجاهه قد توفيت،ماتت يوم ضربني أنا وأمي، وطردنا من المنزل لننام تلك الليلة في الشارع، حملة يا أبي هذه الكلمة وتمنيت أن أقولها من صميم قلبي ولم تسمحي بقول ذلك لماذا ؟ لماذا يا أبي كنت تأخذ مال أمي من أجل شرب الخمر أنت وأصدقائك ؟وتأتي للبيت وأنت في قمة المرح، الآن نم أيها الأعمى فأنت في جهنم، دعني أعيش أنا وأمي من دونك، الآن لا يمكنك تحريك ساكن، نم لوحدك لا أحد بجانبك أنت الذي زرعت فين أنفسنا الرعب، حتى عدنا نشك انك تحت هذه الحجارة، في القبر الموحش لوحدك، أبي وداعا لا يوجد ما أقوله لك سوى انك سبب تعاستنا، وكرهنا للحياة وأنا لن أسامحك أبدا، أبدا أما التعاسة فقد أرادت البقاء في أجسدنا…

نعم ولدت هنا في هذا المكان الذي لم يعرف الشمس،نعم ترعرعت بين هذه الأشجار والنباتات التي لم تعرف الخضرة، حتى في فصل الربيع لا أدري لماذا؟ نعم جلست مع هؤلاء الناس تحدت إليهم، أذكر جيدا عندما لمن نجد- وقيد باش نشعل البوطة- وأبي نائم مرتاح في نوم بعد يوم شاق في العمل، كنت أكرهه أكن له كل الحقد، ألعنه كلما أتاحت الفرصة لذالك… مات لم يعد موجودا معنا نام حيت سننام جميعا، في أرض الأموات لم يعد يزعج الجيران،إنتهى تاريخه أصبح كتابه في دولاب الماضي، تفتت عظامه وأكلها الدود … ظننت بموته إرتحنا لكن هيهات!

أصبحت رب بيت وشعرات ذقني لم أراها، أبحت عن عمل استيقظ في الصباح الباكر والناس نيام، لا أجد سوى قطط موجهة تبحث عن مأواها مثلي في –قمامة الأزبال- فلا تجد شيا فتعود خائبات، كما أعود أنا كذلك هكذا خلق الإنسان ليكون تائها بين أحلام لن يلتقي بها.

أريد أن أقول شيا لا اعرف ماهي أريد أن اكتب كلمات لا أستطيع الإفصاح عنها ماذا مت ستبقى من تفاصيل حياتي أريد أن أقول بأني كنت أشرب شايا بدون نعناع وخبزا حافيا لأشد به رمقي أكره الوجود فوق هذه الأرض بهذه الطريقة وأريد أن أكتب حروفا تعبر عن أناس لم يُعرفوا لا يظهرون غير موجودون في نظر أناس لايعرفون ما معنى إن ترتدي –نعاله- قديما مقطعة في يوم العيد وتذهب بها أمام أناس مثلهم لايعرفون سوى أن تكون في مقامهم ليقبلوك في صفوفهم وإن لم تكن كذلك فأنت لا مكان لك ينظرون إليك كجرثومة قد تصيبهم بعدوى …

أتذكر عندما خرجت أمي تبحث عن عمل بعد موت أبي دالك الكلب.. تجول الأرض طولا وعرضا وأنا أنتظرها في البيت أترقب دقات الباب فتعود والحسرة في جبينها وهي تحمل الغبار في حدائها.

مرت أيام وشهور لتجد أخرا عمل ربت في إحدى البيوت تقبل كخادمة أمي بحت خادمة في البيوت نعم تجفف وتطبخ ما لذ وطاب وتأتي في المساء وهي تحمل في يدها ما تبقى من طعامهم تفي –مي كحلة- وتجلس تحكي لي كيف مر اليوم من عذاب ومشقة مع ربت البيت وتكظم غيظها في قلبها وتتنهت بصوت منخفض حتى لا أ سمعها وننام في الليل كما تنام الناس لكن لا نستيقظ كما يستيقظون ماذا فعلت لكي أعذب كل هذا بماذا مسست الطبيعة لأكون من أصحاب الأسفلين…؟؟ صباح الخير أيها الموتى في القبور صباح الورد والياسمين، أرى نفسي قد تطفلت عليكم هذا الصباح، ولكن لا بأس في ذالك إن كنت سأسمع ألم أبي وهو يعذب بالنار، أو بشيىء لا أعرفه، المهم هو العذاب أحس بأني سعيد ولا تسعني الفرحة الأرض، وأنا أتنغم بعذابه، نعم أتنغم وأشعر كأني صرت قائدا أَأْمر بتفتيته وحرقه،حتى يصبح رمادا وأترقب ذالك اليوم الذي سأنبش بيدي، وأظفاري على هذا التراب الذي إسود،وأحمل رمادك المتبقي وأضعه على راحة يدي ،وأتمنى إن تكون ذلك اليوم ريحا قوية لتحملها معها بعيدا،أينما كان المهم بعيدا من هنا،حتى لا أسمع أنينك مرة أخرى.

أمي ستتزوج هذا اليوم من رجل فقير مثلها، ستعيد نفس الخطأ ماذا تريد من وراء هذا الزواج، ألم تكتفي بإجرامها الأول،أ تريد إعادته وهي تعلم عن مصيره، أنسيت الضربات القوية التي كانت تتلقاها من أبي هل نسيت الشتم والصب الذي كانت تتعرض لها كل يوم، نسيت كل هذا لم تعد تراه ولا تتذكره،إنته الأمر أصبح في خدم الماضي، وإن نسيت هي فأنا لم أنسى وجرحي لم يشفى بعد، ولن يشفى وسيبقى معي سأحفر له حفرة معي، ليعيش بجانبي ليؤنسني في وحدتي،حذرت أمي بأنها إن تزوجت لن أكمل معها، خيرتها بأن أكون أنا الجنس الذكري الوحيد الذي تعرفه، أم ذلك المعتوه الذي سيتزوجها فاختارت، أن تعيد التجربة لعلها تفلح هذه المرة كما قالت لي ذات مرة : ما ذنبي يا ابني أن أعيش حياتي وحيدة، وهي لا تعلم بأني سأعيش وحيدا طول حياتي، أمي من جديد تريد أن تصبح عروسة، وتجلس في ذلك الكرسي العالي، بجانب رجل أخر، لم تأخذ العبرة من ذلك المجرم الذي هو الآن في عداد الموتى، ما أجهل أمي من حقيقة الرجال، ألم ترى عيونه وهو ينظر إليها مبتسما؟ ألم تره يقتلها بعينيه ؟ لماذا تريد أن تعيد الحياة من جديد ؟لماذا إعادة الحياة القاتلة ونحن مازلنا لم نشفى من عذاب ذلك الرجل؟ ماذا عسايا أفعل وهي في قبظة الأسد ، تسألني نفسي لماذا أصبحت أكره الرجال؟ ألا يوجد نوعان لا أحد يشبه الأخر، لا أضن ذلك الكل من طينة واحدة،كلهم أولاد زنى محبين لتملك والسيطرة على المرأة،كل الرجال يحب أن تصبح له زوجته عبيدة له، يقبلها متى يشاء ويتركها متى أحب ذلك، لا يوجد حب بين الزوجين كَذب قائلين ذلك ، فقدت معنا الحب في حياتي، ما هو لا أعرف عنه شيء إبتعد عني لا تقترب، حتى لا أعيش معذبا في جوفه… ابتعدوا عني أريد أن أكون لوحدي فقط…

اختارت رجلا غيري بل اختارت مسارا، لن أقول جديدا لأنه إعادة للماضي، ولكن بطريقة أخرى، بشكل مبتكر، أرادته لم يُرغم عليها كما كان في الزواج الأول، وإذا كان مرغما عليكِ فلماذا نحن ندفع الضريبة لهذا الإرغام؟ تتلذذون بالقبلات ونحن نعيش حياتنا في مسح الدموع،و نَتلخبط في دروب الأيام والألم، آه أول ليلة في بيتنا رجل أخر، يجلس في الطاولة ويمد يده للحصن، لكي يأكل ما أعدته زوجته،التي كانت أمي فيما مضى، أنظر إليه وأحدق فيه وأتمنع في قسمات وجهه، وعيناه الكبيرتان وحاجبان كبيران، متجعد الوجه، قصير القامة، شعره الأسود، يشبه أبي في كل شيء جلوسه المنحني، نظراته حركاته حتى نبرات صوته الآمرة، أنزل عيني عندما يلتف إلي، وما إن يرجع عينه إلى التلفاز، حتى أعيد أتمعن فيه مرة أخرى، نفسي تتحدث إلي وتقول لي: قم وقتله، تخلص منه إنه أباك المجرم قام من القبر، وعادت الروح إليه اجتمعت العظام، وأصبح إنسان نفسه، إنه هو هيا قم وقتله قبل أن يقتلك، إنتقم منه وأجيبها : لا ليس هو لا كيف لإنسان جثة هامدة لا تتحرك وعظام متفتتة أن تقوم وتخرج من التراب الذي فوقها؟ كيف ذلك ؟لا ليس هو ثم من أ ين له كل الهدوء؟ وهو وحش كاسر لا يعرف لصمت غير اسمه،لا يعرف الرزانة، لا أخطاة هذه المرة لم تصيبي القول الصائب، انسيتي شكله؟ انسيتي هيجانه لم تعودي تتذكرين كل هذا ؟…

مرت شهور العسل، وأنا أفكر وأسأل نفسي أيكون هو؟ لا أضن ذلك أردت أن أسأل أمي، لكن خفت أن تتهمني بالجنون، وفي إحدى الليالي لم يأتي إلى المنزل، وأمي جالسة تترقبه مجيئه،ولم ترد النوم خافت عنه لأنه لم يتعود على السهر، إلى هذا الوقت المتأخر من الليل ،وتسألني أمي : أيكون أصابه مكروه ؟ وأجيها في نفسي داعيا حصول ذلك من أعماق قلبي، وأن نغسله ونلفه في ثوب أبيض، ونصلي عنه ركعات مودع، ونرفعه فوق الأكتاف ونحشره في التراب، كما فعلنا لأبي، وأعود وقلبي قد إبيض وارتاح من جنس لا يستحق البقاء على الأرض، لأنه إن بقي سيسفك كرهه في البشرية جمعاء، أعشق موتى الرجال،بل أتلذذ في رؤيتهم وهم يوارى عنهم التراب، ونرش عنهم ماء جهنم … لم أكمل أمنيتي ونحن نسمع دقات على الباب، وقامت أمي التي كانت تجلس على الأرض، كما لو كانت جلسة على النار، بكل ما أتيت من قوة تجري نحو الباب ، وهي تطلب وتقول يارب يكون هو، وأنا انظر إليها نظرة حائرة لماذا تفعل كل هذا ؟؟ وأتحسر لهذه البهيمية نحو الغريزة والاشتياق، إلى كائن أُكن له كل الحقد والبغضاء، أَكل النساء هكذا ؟كلهم يجرون نحو الرجال بلهفة جنونية، حتى يَكدن يسقطن ؟ أيكون الضرب والشتم،كالمغناطيس يجلبهن إلى الرجال مهما فعلوا بهم،أصبحت أحتار من طبيعة النساء، تيقنت عندما قالوا العصى مثل الغداء للمرأة، أنسيت أمي كل ما خلى مع أبي،كل ذلك نسته لم تعد تتذكره، دفنت ماضيها عندما دفنته. نعم هو جاء لم يصبه مكروه ولو جرح صغير مما دعوته ،لم يكن لا في المستشفى ولا في السجن ولا في الدار الأخرى، كان معنا هنا في هذه الدار ،كان عند صديقه فقط، طلق ذلك السلام من بين شفتيه وأضهر أسنانه السوداء من كثرة التدخين، كما لو أطلق رصاصة أصابت قلبي وحدسي،وارتميت أرضا متحسرا، وعيناه على عيني ينتظر أن أرد عليه السلام، وهو يعرف أنه لن يحصل عليها، ولو رأيت الجبال تتزحزح من مكانها، طالبتا مني فعل ذلك، سألته أمي بصوت عال أين كنت ؟ أجابها وهو يهدئها بوضع يده فوق كتفها، لا تقلقي إني كنت عند زميلي احمد ..وقاطعته وأزلت يداه على كتفها، سائلة إياه أين كنتم؟ وأين نكون؟ سوى في المقهى ، وتبسمت في وجهه ابتسامة راضية، وطلبت منه أن يخبرها عندما يريد أن يسهر مع أصدقائه، وأغمدت عيني لأتصور حياة الناس الذين يعرفون، لمن تقال السعادة والابتسامة الحقيقية، التي تنور وجوهم المتلألأة كالمصابيح، التي أراها في عيد الأضحى عند مشاهدتي لتلفاز المريض مثله مثل أصحابه …

استيقظ في الصباح وأنظر حولي، لأرى من بجانبي الأحياء أم الموتى ؟ أو أرى ملك الموت ينتظرني، حتى أقف ويمسك روحي المعذبة، داخل هذا الجسد المتهالك النحيل ، أيها الرب خدني عندك لأعيش مع ملائكة الجنة، وأتذوق من ذوقي، الراغب في أكلت لم أتخيلها، حتى في خيالي، أو كنت أراها عندهم يحملونها في سياراتهم الفاخرة،لماذا لم أكن أنا ذلك الشخص ؟ من أين أتيت ولماذا لم يكن لدي اختيار الأب والأم لماذا ؟ انظر إلى كل أب يطبطب على ابنه ويعانقه، فأتمنى لو كنت مكانه، أتخيل نفسي في ذلك المقام رفيع، وأنا أنتظر أبي في غرفتي وأنا جالس، أعد التمارين، ويدق الباب وأطلب منه التفضل، وأصرخ فرحة وأقوم لأقبله في خده، ويعانقني وأتصلق فيه لأعانقه بدوري، لكن يا حسرتاه أبن هذا الأب وأين كله هذه الأحلام؟ تبقى عنوان في ذاكرة إنسان متعطش لأمنية في السماء، وهو في الأرض، وقبلة تأخدها الرياح بعيدة عني، ولمن أشكو فقداني لحب أب ولمسته ، ما ذنبي لأعيش هذا الحرمان وضائع في البحث عن همسة أب في أذني.

اتضح أمره وإنفضح، أصبحت أدرك بأن هذا الرجل لن يكون ملاكا نقيا من العيوب، التي جعلتني أبتعد عنه واطلب من الله أن ينحني عنه، أصبح يسهر كثيرا في المقاهي على حد قوله ولا ندري أكان من الصادقين أم من الكاذبين، أمي أضحت تشم رائحة الغدر في هذا الرجل،الذي حذرتها منه عندما وضعت يدها فوق يده،وتحدتني وتحدت الواقع، من كونه لن يكون خيرا لها ونبأتها بذلك، ودفنت الماضي وأنكرت على أن الماضي، حقبة تدرس وتقرأ لتكون عبرة للآخرين، لكنها لم تسمع نصيحتي وأرغمتني على أن اكتم كرهي إتجاهه في جوفي، وأحترق به لوحدي دون غيري ،أخدت حقي من الحسد،الذي كنت أعيش فيه طول هذه المدة التي كان فيها أبي، قبل أن يغادر البيت مُلتفا في ثوب أبيض دون خيط . في ليلة من الليالي التي عشت في ضلا مها، تعطل الأب التي كانت تطلب مني أمي أن أناديه بها ،لأنه هو الذي يسرف عنا منذ وفاة أبيك الملعون،هكذا قالت لي ذات مرة ، لم يعد في تلك الليلة المظلمة، وحقا كانت كذلك لأن الكهرباء انقطع دون إنذار، كنت أضن بأنهم لن يحرمون من إعلان،يقول بأنه سينقطع هذه الليلة،لكن حرمونا وبخلو عنا حتى ورقة بيضاء، مخطوط عليها كلمات من الحبر، وكان ضوئنا شمعة صغيرة أضاءت عنا من نورها ، وأمي تنتظره وهي واضعة يديها على وجهها، كأنها تريد أن تصرخ كما فعلت يوم وفاة أبي، وكان حالها يقول بأنها تفكر في أبي، الذي أرغم علي أن، أتقبل على هذا المنوال ، وتخاطب نفسها كالعادة أين يكون ذهب ؟ أخاف أن يكون أصابه مكروه؟ واحذر عيني عنها وأنظر إلى الشمعة وقد إحترقت، وذابت في الكأس الذي كان تحتها، هي ليست كالإنسان تحترق في الدنيا وتموت،وهي واثقة بأن العذاب لا ينتظرها،عكسنا نعذب هنا ونكمل هناك، ليس لنا الحق من أن نعيش دارا من هذين الدارين، لا نعرف التفاح الأحمر، كيف هو ما لونه ما شكله أيأكل أم يشرب ؟ أ مثالنا لا يبتسم لهم عندما يكسر إناء الزهر، لا يعرفون لعبة شد الحبل التي يلعبها الصغار في مثل عمرنا، كبرنا قبل الأوان ودُسنا على طفولتنا حتى أصبحت حلمنا ومطلبنا العودة إليها .انطفأت الشمعة وأحسست بانطفائها، كما لو انطفئ بصيص الأمل، الذي كنا نُشرف عنه، هو الذي كان يمد لنا الطاقة،لنستمر في الكفاح من أجل البقاء، ماداموا لا يمنعوننا من استنشاق الهواء، لكن احترقا معها راح، وبذهابه فقدنا صلتنا بالحياة المزيفة التي نعيشها، لم نعد ننتمي إليها ذهبنا إلى جوار أبي وأخي المتوفيان، وداعا أيتها الدنيا الحقيرة ، قهرتنا ولم تعطنا مثل الآخرين،حرمتنا وسلبت من أرواحنا ونحن لا زلنا في أحشائك نعاني..

قطعت حديثي مع نفسي، وعدت إلى أرض أموات الدنيا،على صراخ أمي وهي تقول،ألا تسمع من الصباح وأنا أنادي عليك ألم تسمعني أين كنت أأصم أم ماذا؟ هيا قم وطفئ المصباح فقد عاد الكهرباء، ودعني أنام فأبوك لن يأتي هذه الليلة، ونامت وهي تتمتم ببعض الكلمات التي لا أدري ما مغزاها، ورجعت إلى مكاني وأخذت الوسادة ووضعت رأسي عليها، وعدت أخاطب نفسي سائلا إياها،أيكون الأمل عاد أو أرسلته الشمعة إلينا مع الكهرباء ؟لنعيش مع الأحياء رغم الألم لأننا نعيش ليس حبا في ذلك بل لأن العيش مفروض علينا، لا نملك القدرة على الرحيل من هنا إلى بإذن خارج الطبيعة، وبأمر من الخالق ترفع أرواحنا الجائعة إلى السماء، وتبقى الأجسام ليغطيها التراب وتأكلها الديدان، أغمدت عيني ونمت نوما عميقا طالبا من آمر الموت، أن يستقبلني الصباح بابتسامة ولو لمرة واحدة، تُذهبُ ما فات وتنسيني في الماضي الحزين.

وفي اليوم الموالي لم يأتي للبيت،وخرجت تبحث عنه في المستشفيات والسجون،و في المقاهي سألت عنه أصدقاءه ،وبحثت عنه لعله يكون هنا أوهناك ولكن دون جدوى ،اختفى كأن الأرض انشقت وبلعته، وعادت إلى المنزل ، وتعيد البحث في اليوم الثاني والثالث، وتعود كما خرجت دون أن تجده، أو عن أي أخبار تدل على مكانه ، مرت أيام وشهور وسنين ولا خبرا عنه ،الكل يقول ما ألقت به نفسه قوله،من يقول: أنه مات وهناك من يقول: بأنه تزج وسافر إلى الخارج ، يئست أمي من البحث واستسلمت للأمر الواقع وعدنا إلى المعانات من جديد، نعاني ويلات الفقر الذي ما لبتنا أن شفينا منه، بتلك القروش التي كان يأتي بها في نهاية كل شهر، كنا ننتظرها بشوق كبير، وعندما تأتي لا نعرف كيف هي الأ موال الورقية، نسمع عنها بأن بها رائحة جميلة، وتمنيت أن تكون عندي واحدة منها حتى لا أموت وأنا لم أراها.

عدت ذات يوم إلى المنزل ووجدت أمي جالسة على الأرض، وتبكي بصوت يسمع من الخارج وتقول : ياليتني لم أفعلها، ياليتني لم أتزوج به، وعندما سمعتها أدركت بأن المختفي عاد، على غير عودته فسألتها ماذا فعل زوجك؟ فطلبت مني ألا أسألها عنه، لأنه لم يعد يربطهما أي صلة،فقلت لها أيعني طلقك؟ فأجابتني نعم، فعلها لم أكن أتصور أن يُقدم على تطليقي، قلت : لها ألم أقل لك ذلك ألم أقل لك بأن الرجال من جنس واحد؟ حذرتك منه وأنت لم تسمعي كلامي، هذه هي النتيجة أنضري ماذا فعل بك لم يعرك أي اهتمام.

كفى من التفكير في ذبابة حطت على طعامنا كيف ومن أين أتت؟ دعها تمر عليه كما نمر نحن على هذه الحياة عابري السبيل، لا نترك أثرا لنا حتى زفير الحزن نأخذه معنا عندما نغادر، تمنيت لو لم أكن إنسانا، وأقول لماذا لم أكون طير في السماء أطير بكل حرية وأحط على أي أرض أريد وأكل من أي طعام أحب؟ أو أكون أسد أجلس على الكرسي وأضع على رأسي التاج الذهبي لماذا ؟ حرمنا من أن نرى الشمس والقمر لأن يوم ولدنا بكينا…

هكذا وجدنا في ظلام دامس لا نور فيه، نعيد الحياة لأشخاص مروا مثلنا، وما أنا إلى استمرار لأناس وجدوا في قبر الحياة، لنعترف بتاريخ البؤساء الذين ولدوا قبل الأوان،أتمنى ألا أبعث إلى أرض مثل هذه، أتمنى أن أبقى مكسوا بالتراب أفضل وأرقى لي من أعيش حياة أخرى، نؤمن فيها بالقدر المحتوم، كنت أود أن ألعب قليلا وأجري بين دروب الحي، وأرى النجوم تزين السماء، كنت أود أن أرى جرحا يسيل دما من قدمي،وأرى يد أمي تلامس الجرح، وتتلطخ ثيابها بقطرات من الدم، وأشفى من سم أراد قتلي وحرماني من جرح آخر، ولمسة شافية أخرى، حتى الموت يريد أن يحرمني من أمنيات رَجَوتها أن تكون فقط في أحلامي، لم أطلب المستحيل

لم أطلب حليبا أو لعبة أو أي شيء من هذا القبيل، فقط طلبت كَف لأي كائن كان، أن يمررها على جرحي ليشفى حتى هذه نحرم منها ؟ ونعيش على شظايا مستقبل مشتت لتحقيقها، ونرفع أكف نتذرع من أجلها، نحن لا نذرف دموعا عند الوفاة، بل نطلق قهقهات عالية فرحين بذهاب إنسان، ونبكي عندما تخبرنا القابلة عن قدوم إنسان آخر يخلف المفقود،ونوضع أمام الأمر الحقيقي…

نبذة عن:

محمد حادين

اسمي حادين محمد من موليد مدينة فاس سنة1992 تلميذ بالثانوية التأهيلة.
هوايتي المطالعة وكتابة الخواطر والمراسلة...

رابط المدونة: الروح والسلام

عدد المقالات المنشورة: 14.

تابع جديد محمد حادين: الخلاصات

تعليقات 4

  • بقلم معجبة بالنص بتاريخ 15 يونيو, 2010, 17:39

    بجد كلام مؤلم وقدرة عضيمة على توصيل الاحاسيس والمشاعر رائعة جدا جدا جدا

  • جمال اشطيبة
    بقلم جمال اشطيبة بتاريخ 15 يونيو, 2010, 22:29

    بليغ ومؤثر وطويل، لو نشرته في جزئين لكان أفضل
    معذرة على النقد، فالهدف هو التحسن
    وقد قفزة قفزة كبرى

  • بقلم هاجر بتاريخ 11 أبريل, 2012, 19:25

    لو أحكي قصتي..لسكت كل التعساء في الدنيا..بل قالوا الحمد لله..

  • بقلم عاشقة عبود بتاريخ 7 يناير, 2013, 11:12

    كلامك جدا جدا مؤلم

هل لديك تعليق؟

  • هل تريد صورة مصغرة بجانب تعليقك؟ يمكنك ذلك من خلال التسجيل في خدمة Gravatar. كما يمكنك الاستئناس بهذا الشرح.
  • يرجى التعليق باللغة العربية الفصحى، وباسم مكتوب بأحرف عربية.
© 2019 مجلة القراء.
هذا الموقع يستعمل وورد بريس المعرب، تصميم وتركيب دنيا الأمل.