الصراع اليهودي – الإغريقي بالإسكندرية في عصر الرومان (الجزء الأخير)

جوزيفوس في كتابه “تاريخ العهد القديم”، دأب على الزعم أن أعضاء الجالية اليهودية بالإسكندرية كانوا يتمتعون بحقوق المواطنة الكاملة على قدم المساواة مع إغريق المدينة، ولإثبات صحة دعواهم استشهد بمنشور كلوديوس قائلاً: “أن الإمبراطور اعترف صراحةً أن يهود مدينة الإسكندرية المسمون بالسكندريين حصلوا مثل الإغريق السكندريين على حقوق متساوية منذ عصر الملوك، وأن أوغسطس حفظها لهم”.

الباحثون الجدد، يجمعون على أن جوزيفوس لجأ إلى تزييف نص المنشور بإقحام عبارتين الأولى “المسمون بالسكندريين”، والأخرى “حقوق متساوية”، ويستدلون على ذلك بالعبارتين نفسهما لأنهما تنطويان على غموض استغله جوزيفوس في الادعاء أن بني جلدته “مواطنين” بينما هما في حقيقتهما تقطعان بعكس ذلك، لأن اليهود لو كانوا فعلاً “مواطنين” لكان كلوديوس وصفهم في المنشور بوضوح بأنهم “مواطنوا الإسكندرية اليهود” بدلاً من العبارة الملتوية التي أوردها جوزيفوس بأنهم “يهود الإسكندرية الذي يسمون السكندريون”.

إن وضع يهود الإسكندرية في اعتقادنا ظل في العصر الروماني على ما كان عليه في العصر البطلمي، من حيث أنهم لم يكونوا مواطنين فيها والبراهين على ذلك عديدة نفرض منها ما يلي:(1)

  • أن بعض يهود الإسكندرية يصفون أنفسهم في الوثائق البردية المؤرخة في عصر البطالمة بأنهم “يهود متدينون”، وبما أن المتدينون لم يكونوا داخل هيئة المواطنة، فإننا بالتوفيق بين هذا وذاك يمكننا استخلاص أن يهود العاصمة لم يكونوا مواطنين.
  • أن فيلون يشير في مؤلفاته إلى البولتيفما باسم بوليتا ولم يكن يعني ذلك هيئة المواطنة بل عضوية الجالية اليهودية محاكيًا في ذلك الملك طولوميس الثاني (بطليموس) الذي أرسل عام 280 ق.م رسالة إلى آل عاذر حبر أورشليم الأكبر مستعملاً لفظ (الملك) بوليتا ليصف يهود مصر باعتبارهم إخوان وزملاء يهود فلسطين في الوطن والدين.
  • أن فلاكوس الوالي حدد مركز اليهود بالإسكندرية قائلاً أن جاليتهم أجنبية دخيلة. (في المنشور الذي أصدره لتحديد وضعهم الدستوري بالإسكندرية).
  • أن كلوديوس وصفهم في منشوره بأنهم يهود الإسكندرية وهو وصف ليست له علاقة بالمواطنة السكندرية.
  • أن كلوديوس في خطابه حظر عليهم أن “يحشروا أنفسهم” Epispaiein أو يتحكموا في الأنظمة التي يتولاها مديرو المؤسسات التعليمية والتربوية، وهي عبارة لا تصدر عن حاكم مسئول، فما بالك بكلوديوس المعروف بدقته مما يستحيل معهم أن يلقي الكلام على عواهنه فيردع اليهود بهذه الاهانة إلا إذا كانوا فعلاً لا يملكون حق المواطنة.
  • أن كليوباترا عندما أمرت بتوزيع منح القمح على مواطني الإسكندرية بسبب المجاعة التي حلت بمصر لم ينل اليهود نصيبًا منها باعتبارهم غير مواطنين.
  • أنهم (أي اليهود) مثل المصريين كانوا يدفعون ضريبة الرأس غير منقوصة، ويعاقبون بالضرب بالفلقة على بطن القدم، وهما علامتا الذل والمهانة لحثالة المجتمع.
  • أن الفرد اليهودي لم يكن في وسعه وصف نفسه في وثيقة رسمية بأنه “سكندري” بالمعنى الضيق للاصطلاح حتى لا تؤاخذه مواد القانون، بل كان يتعين عليه وصف نفسه بأنه “يهودي مقيم بمدينة الإسكندرية”، أما شفاهةً فكان لا يجوز لأي فرد من أي جنسية أن يصف نفسه بالمعنى الواسع للاصطلاح، وحتى كتابته كان ذلك شائعًا، فمصنفات جوزيفوس وفيلون تمتلئ بعبارات تصف بني إسرائيل في مصر بأنهم يهود “سكندريون” أو “مواطنون سكندريون” أو “سكندريون” وكلها مصطلحات دارجة لا تعني سوى “سكان بالإسكندرية”.
  • وأخيراً؛ وهو ما اعتقده شخصيًا، إذا كان اليهود لهم حقوق المواطنة متساوية مع الإغريق، فلماذا كانوا يلحون في طلبها لمدة قرنين على الأقل منذ عهد أوغسطس وحتى عهد دوميانوس.

والآن؛ بعد أن استعرضنا كل ما جاء في خطاب كلوديوس بأي ناحية يمكن لنا أن نحكم على رؤية الإمبراطور للأمور؟ لا شك أنه في محاولة إرضاء الطرفين فشل في أن يرضي أحدًا وبالتالي استحق غضب كليهما، فالإغريق لم يحصلوا على مجلس الفولي Boule واليهود لم يكتسبوا حقوق البوليتيا. والمؤرخ الروماني تاكيتوس الذي كان معاصر للإمبراطور يصوره في شكل رجل عاجز ذهنيًا(2)، بينما المؤرخون التاليون يؤكدون أن ما اتخذه من قرارات لم تنم عن خبل أو عته، وهما الصفتان التي اتسم بهم جايوس كاليجولا. أما الباحثون الجدد فقد شهدوا له بحصافة الرأي والحنكة السياسية والكياسة في معالجة الأمور، ونحن نزيد على ذلك بأنه كان ذو نظرة ثاقبة موضوعية، فلم يكن يأخذ بمجرد الالتماسات المكتوبة بقدر ما كان يؤمن بضرورة المواجهة الشخصية، ولم يكن رده القاطع على أي مظلمة إلا بعد أن يقلب الأمر على مختلف وجوهه قبل أن ينصف أو يخيب رجاء أي شاكً.

ولا ندري إلى أي مدى أفلحت رسالة الإمبراطور كلوديوس في تهدئة الفريقين. لكننا نعلم من إحدى البرديات من المجموعة المعروفة عند الدارسين باسم “أعمال الشهداء السكندريين”
Acta Alexandrinorum أن وفودًا جديدة من الإسكندريين واليهود قصدت كلوديوس في عام 53م لعرض شكواها، مما يدل على أن المشكلات بين الفريقين لا تزال قائمة، غير أن الإمبراطور انحاز هذه المرة إلى اليهود الذين كان يتحدث باسمهم الملك أجريبا، وانتهى الأمر بصدور حكم الإعدام على زعيمي الوفد الإسكندري.(3)

وعلى أي حال؛ ما لبث الرجل أن أخلى الطريق للجميع، فقد تناول في العام التالي وجبة غذائية شهية من عيش الغراب كانت “أخر ما أكله في حياته”، وذلك أثر السم الذي وضعته له زوجته بعد أن ضمنت تأييد الحرس الإمبراطوري لها بتولي ابنها نيرون العرش.(4)

خاتمة

والخلاصة؛ أن الإمبراطور كلوديوس أقر لليهود بكافة الحقوق والامتيازات السابقة التي كانت لهم، وأصبح في إمكانهم حينئذ أن يباشروا في حرية تامة عباداتهم وطقوسهم الدينية، وأن يعيشوا وفقًا لتقاليدهم المتوارثة، ولكن من ناحية أخرى أغلقت أمامهم كل السبل التي كان من الجائز أن تفضي بهم إلى نيل حقوق المواطنة في الإسكندرية. وبذلك ظلوا بعيدين عن هيئة مواطني المدينة لا يستطيعون الاندماج فيها أو نيل امتيازاتها، وبالتالي فشلت كل محاولة بُذلت للتوفيق بين اليهود والإغريق، وإذا كان الإغريق قد عبروا عن موقفهم من اليهود بكلمات واضحة لا تعوزها الصراحة فحواها أنهم لا يريدون في صفوفهم قومًا غرباء عنهم، وكان قرار فلاكوس صريحًا هو الآخر عندما اعتبر اليهود غرباء وأجانب عن المدينة، فإن الإمبراطور كلوديوس بإبعاده اليهود عن الجمنازيوم ومبارياته قد قذف بهم في أحضان تلك العناصر المتطرفة التي كانت تعارض كل محاولة للتقريب بين اليهود وبين الإغريق.(5)

________________________

(1) زينب توفيق، المحاضرات السابقة، (غير منشورة).

(2) رسم الكتاب المعاصرون لكلاوديوس صورة سيئة، فصوروه على قدر من الضعف والتردد والبلاهة، ومن هؤلاء الكتاب الفيلسوف سنيكا والمؤرخان تاكيتوس وديوكاسيوس.

(3) فاروق حافظ القاضي، المرجع السابق، ص 180 – 181.

انحدرت المحاورات والمناقشات إلى سباب شخصي بين الإمبراطور من جانب وايزيدوروس ولامبون من جانب آخر، وحكم على هذين المبعوثين من قبل السكندريين بالإعدام، وقد رفعهما إغريق الإسكندرية إلى درجة الشهداء الذين استشهدوا في سبيل قضية وطنهم ضد روما.

محمد السيد محمد عبد الغني، لمحات من تاريخ مصر تحت حكم الرومان.- الإسكندرية: المكتب الجامعي الحديث، 2001. ص 89.

(4) وقد فعلت ذلك لخوفها من أن كلوديوس سوف يعين أبنه الأصيل وريثًا على العرش، حيث أن نيرون كان ابن زوجته أجريبا من زوج لها قبله. أنظر: مصطفى كمال عبد العليم، محاضرات في تاريخ الإمبراطورية الرومانية.- القاهرة: جامعة عين شمس، 1999. ص 56.

(5) مصطفى كمال عبد العليم، اليهود في مصر. ص 56.

نبذة عن:

أشرف صالح

أشرف صالح، عضو هيئة التدريس بالجامعة الاسكندينافية (النرويج)، عضو إتحاد كُتاب الإنترنت العرب، عضو الجمعية المصرية للدراسات التاريخية، حاصل على درجة الماجستير في التاريخ من جامعة كارولينا الأمريكية، له عدد من المقالات والدراسات المنشورة في مواقع وصحف ومجالات محكمة وغير محكمة.

عدد المقالات المنشورة: 7.

تابع جديد أشرف صالح: الخلاصات

هل لديك تعليق؟

  • هل تريد صورة مصغرة بجانب تعليقك؟ يمكنك ذلك من خلال التسجيل في خدمة Gravatar. كما يمكنك الاستئناس بهذا الشرح.
  • يرجى التعليق باللغة العربية الفصحى، وباسم مكتوب بأحرف عربية.
© 2019 مجلة القراء.
هذا الموقع يستعمل وورد بريس المعرب، تصميم وتركيب دنيا الأمل.