دفاعا عن الفكر الفلسفي (المغرب نموذجا)

“إن الحياة الخالية من التفلسف حياة لا تليق بإنسان”

أريسطو.

يشكل الفكر الفلسفي دعامة لا غنى عنها في سبيل امتلاك الروح المفعمة بالنقد والتحليل، والتي لا تتوقف عند التلقي السلبي. هذه الروح هي التي يمكنها إخراج الناس من مستنقع التقليد والتبعية والاستبداد، وهي الكفيلة بجعل الناس يتنفسون أنسام الحرية، وبتعبير عبد الرحمن الكواكبي “ما انتشر نور العلم في أمّة قط إلا وتكسرت فيها قيود الأسر وساء مصير المستبدين من رؤساء سياسة أو رؤساء دين”. وبدون روح التحليل والنقد سنظل ببغاوات لا تجيد سوى ترديد ما أريدَ لها أن تردده.

أفلاطون (إلى اليسار) وأرسطو (إلى اليمين)

أفلاطون (إلى اليسار) وأرسطو (إلى اليمين)

وقد عرف الفكر الفلسفي بالمغرب مـدّا قويـا إبّـان السبعينات من القرن العشرين، إذ شهد تقدما ملحوظا، تجلى هذا التقدم في مكسب تعريب الفلسفة، وظهور محاولات جادّة لصياغة مقرر من طرف أساتذة يمارسون تدريس مادة الفلسفة. وأمام هذا المد القوي للفكر النقدي الذي يزعج الأنظمة التسلطية، لجأ النظام المغربي كنظام تسلطي استبدادي قائم على مبدأ الخشية والخوف كمبدأ يحدد الأنظمة الاستبدادية حسب مونسكيو إلى وضع مخطط يرمي إلى تهميش الفلسفة وتصفيتها بالتعليم الثانوي والتعليم العالي.

فمن مظاهر تصفية الفلسفة في التعليم الثانوي:

  • – الفصل بين مقرر الفلسفة في شعبة التعليم الأصيل وباقي الشعب، حيث تم وضع مقرر خاص بالتعليم الأصيل.
  • – حذف الفلسفة من شعبة الاقتصاد بدءا من الموسم الدراسي 71/72، ورفض تعميمها على باقي الشعب التقنية الأخرى ومراكز تكوين المعلمين والمفتشين.
  • – تقليص عدد ساعات الفلسفة في السنة السابعة الأدبية “باك” من 8 ساعات إلى 5 ساعات في الأسبوع.
  • – التعديلات اللامبررة للمقرر القديم في الموسمين الدراسيين 76/77 و77/78 وتتويج مسلسل الهجوم بفرض مقرر جديد في الموسم الدراسي 78/79 هو خليط من القضايا و التصورات، حيث إنه يختزل الفلسفة إلى مجموعة من المعلومات التي على التلميذ حفظها لكي ينجح في الامتحان، مما يؤدي إلى قتل روح التحليل والنقد عند التلميذ، وهذا ما يشكل قتلا للفلسفة برمتها، لأن جوهر الفلسفة ليس في الموضوعات ولكن في المنظور الموحد والمتكامل.

كل هذه المظاهر هي حلقات من مخطط شامل يستهدف تصفية الفلسفة والفكر النقدي تحت تبريرات واهية، ولإخفاء هذه المبررات لجأ المسؤولون إلى مبررات مختلفة تركزت بالخصوص حول اعتبارات تقنوية جوفاء كــ:

  • – قلة الأطر، و بهذه الدعوى تم حذف الفلسفة من بعض الشعب تحت ذريعة عدم توفر العدد الكافي من الأساتذة.
  • – عدم جدوى الفلسفة واعتبارها مادة زائدة، مما يعكس النظرة الاحتقارية إلى الفلسفة والتي تغلّـف موقفهم الضمني المتشبث بكل ما هو خرافي قاتل لروح التحليل والنقد العلميين.

ومن مظاهر تصفية الفكر الفلسفي في التعليم العالي:

  • – الاقتصار على تدريس الفلسفة في كلية الآداب، رغم أن الأوساط العلمية تتفق على ضرورة تدريسها في كليات أخرى، ككلية الحقوق وكلية العلوم وكذلك المعاهد العليا من خلال مقررات تتلاءم و طبيعة هذه الشعب.
  • – عدم جدوى الفلسفة وانعدام وجود أية صلة لها بالتنمية، فالمسؤولون في حاجة إلى أطر علمية وتقنية فقط، أما الفلسفة فما هي إلا سفسطة ولغو لن يفيد نهائيا في التنمية.
  • – إحداث شعبة جديدة في كلية الآداب هي شعبة الدراسات الإسلامية، وذلك في محاولة بائسة لمحاربة الفكر الفلسفي خصوصا، وقتل ووأد الفكر النقدي عموما.

وإجمالا يمكن القول أن هذا المسلسل التصفوي الذي استهدف الفكر الفلسفي يعكس “خوف الاستبداد من العلم الإنساني الذي تتعرف به المجتمعات على حقوقها وتكتسب به وعيا بحريتها” كما يعكس واقع الحرب الدائمة بين الاستبداد والعلم، “فالعالم يسعى إلى تنوير العقول، والمستبد يجتهد في إطفاء نورها، والطرفان يتجاذبان العوام. ومن العوام؟ هم أولئك الذين إذا جهلوا خافوا، وإذا خافوا استسلموا، كما أنهم هم الذين متى علموا قالوا، ومتى قالوا فعلوا”. إنها الحرب الدائمة بين الاستبداد والعلم، والحرص الدائم للمستبد على إطفاء نور العلم حسب الكواكبي.

كما يعدُّ هذا الهجوم المنظم على الفكر الفلسفي من الأسباب التي أضرت بمستوى التعليم ببلادنا، فالفلسفة تعلم الطالب الاعتماد على النفس والبحث والتحليل والتمحيص. وتصفية الفلسفة تؤدّي إلى جعل الحفظ هو الوسيلة الوحيدة للتلميذ أو الطالب في العملية التعليمية، إذ يتحول التلميذ بمقتضاها إلى “بنك للمعلومات”، الأمر الذي يؤدّي إلى تكوين جيل سلبي متقبّـل ليست له متانة فكرية، جيل خال من الروح النقدية، يكون ضحية للأفكار الاستعمارية والظلامية، والخرافات المضللة و كل أنواع الشعوذة.

____________________

ملحوظة: بعض المعطيات الواردة في هذا المقال مقتطفة من تقرير للجمعية المغربية لمدرسي الفلسفة.

نبذة عن:

عبد الواحد الحمداني

عبد الواحد الحمداني من مواليد 1990 بمدينة تاونات بالمغرب. حاصل على شهادة الباكالوريا غير ممدرس بشعبة الآداب مسلك العلوم الإنسانية سنة 2009. وباكالوريا أخرى سنة 2010.. طالب بكلية الآداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز بفاس مسجل بشعبة الفلسفة.
حائز على شهادة تقديرية لمساهمتي في اليوم العالمي للشعر بذات الكلية. نشرت قصيدتي أنا والشمعة بكتاب محترف الكتابة الذي تصدره الكلية. هوايتي القراءة بكل أصنافها...

رابط المدونة: قلم الرصاص

عدد المقالات المنشورة: 8.

تابع جديد عبد الواحد الحمداني: الخلاصات

هل لديك تعليق؟

  • هل تريد صورة مصغرة بجانب تعليقك؟ يمكنك ذلك من خلال التسجيل في خدمة Gravatar. كما يمكنك الاستئناس بهذا الشرح.
  • يرجى التعليق باللغة العربية الفصحى، وباسم مكتوب بأحرف عربية.
© 2019 مجلة القراء.
هذا الموقع يستعمل وورد بريس المعرب، تصميم وتركيب دنيا الأمل.