مخاوف السنة البيضاء

يعيش قطاع التعليم بالمغرب في أيامنا هذه واحدة من أحلك فتراته، وبات يترنح  إلى درجة الاحتضار في ظل ظروف لا يقبلها العقل، إضرابات متكررة و غياب للأطر التعليمية، نقص في الكفاءة وخلل واضح في المنظومة التعليمية، تلك هي حالة التعليم في المغرب و ما أقساها، حالة إن دلت على شيء فإنما تدل على أننا محظوظون فعلا باحتلالنا المراتب الأخيرة في التقارير الدولية لأنه، وبهذه الصورة، لا نستحق حتى أن نكون في اللائحة أصلا.

أتساءل بضم صوتي إلى صوت ذلك التلميذ الذي هجرته أستاذته للغة العربية منذ فاتح أبريل الماضي بداعي الولادة دون رجعة ودون أن يتم تعويضها، و أهتف بصوت عال إلى جانب آلاف من الحناجر الملتهبة المطالبة بإصلاح الأوضاع التعليمية بهذه البلاد وتحسين ظروف اشتغال الأطر التعليمية، كما أضم صوتي إلى أولئك التلاميذ المقبلين على الامتحانات الموحدة الذين لم يشرعوا في فتح بعض المقررات الدراسية إلا في الشهور الأخيرة، هذا في الوقت الذي تلعب فيه الوزارة المعنية دور المتفرج ولم تجد حلا للوضع القائم أكثر نجاعة من تمديد السنة الدراسية أو التخويف بسنة بيضاء لمن يعارض، بينما تصر مندوبياتها على التمادي في سياسة الترقيع و اللامبالاة في ظل مخطط استعجالي محكوم عليه بالفشل، ومن وجهة نظر خاصة فإنني أقف ضد مثل هذه السياسات الإستعجالية لأنها  تفقد المخطط مصداقيته وجودته و ترمي به إلى دوامة من الفوضى و العشوائية في صراع مع الوقت المخصص لذلك المخطط الإستعجالي، وهو وقت قصير جدا، مما يجعل مسألة التخطيط و الدراسة والتوقع و المراقبة مجرد مصطلحات لا وجود لها في قاموس الإستعجال الذي أثبتت  التجارب غير ما مرة أنه لا يولد سوى المزيد من العشوائية، وتدني الكفاءة وهدر المال العام…

في خضم كل هذه الظروف لا تزال فرعيات و مدارس قروية كثيرة تعيش أزمة حقيقية في كل المستويات، فإذا كان تلامذة المدينة قد “أنعم لله عليهم” بسلسلةِ إضرابات متوالية، فإن نظراءهم بالعالم القروي لا يعلمون من الإضرابات شيئا غير أنهم يترنمون في مراعيهم أكثر مما يدرسون، فهم في كل الأحوال يعيشون عطلا متتالية، سواء كانت بسبب الإضراب أم عن طيب خاطر معلمهم البعيد عن أعين المدير كيلومترات كثيرة، لذلك فهؤلاء المعلمون يتفانون في الاستمتاع بعطلهم التي يختارونها لأنفسهم وقت و كيفما شاءوا في ظل غياب تام للمراقبة.

آخر مرة كَتب لي القدر أن أطلع فيه على  مثل هذا التعليم الفلكي في قريتي كان خلال عطلة عيد الأضحى الماضي، حينها جلس تلاميذ المدينة أسبوعا كاملا و هم “يقضمون” في “أكباشهم”  قبل أن يعودوا إلى مؤسساتهم التعليمية، أما في قريتنا الجميلة فجلس تلامذتها قرابة شهر دون أن تطأ أقدامهم عتبة تلك المدرسة الموحشة المهترئة، وفي كل مرة يسأل فيها الأهل عن كثرة “شُمُورٍ” أبنائهم يُردّ عليهم بأنهم في عطلة “العيد الكبير” و هم لا يعلمون أنه ما من أحد في العالم يأخذ إجازة شهر في عيد الأضحى، ما لم يكن مريضا أو تمليه عليه ظروف قاهرة حتى ولو كان رئيس دولة بعينها.

الأهل الذين تشع فيهم الأمية من بعيد يصدقون، و الأطفال غارقون في اللعب يتمنون ألا يأتي أساتذتهم أبدا، و المعلمون نائمون في منازلهم في أقصى شمال المملكة، و المدير الكسول تخيفه الطريق الوعرة إن سولت له نفسه القيام بإطلالة سريعة وهو الذي لا يمتلك سوى دراجة صغيرة لا تجدي نفعا أمام النتوءات والطريق المرعبة،  والتعليم القروي -كنتيجة- في مهب الريح.

في هذه الأيام يتردد الكثير من القيل و القال بشأن الإضرابات المتكررة و تزداد مخاوف أهل المحافظ والمقاعد من السنة البيضاء… أتساءل مرة أخرى إن كان معيار عدد الأيام التي لم يذهب فيها التلاميذ إلى مدارسهم هو المعيار الوحيد المعتمد في القول بأن هذه السنة بيضاء أو… وإذا كان الأمر كذلك فإنه كان من الأجدر أن تعيش قريتي على وقع السنوات البيضاء منذ سنين عدة، وعندها ستراني لا أزال أقبع في الصف الثالث أتعلم حروف الهجاء من معلم أراه يومين فيغيب عني أسبوعين.

الآن بدأ يتضح الاستعجال الذي سنته حكومة “الفاسي” في إطلاق مخططها الذي يفترض فيه أن يعطي نتائج آنية لأنه استعجالي، لكنه بالتأكيد لم ولن يعطي أكثر مما نرى، ما لم ينبني على الواقعية والتخطيط والدراسة الشمولية بعيدا عن الاستعجال، وهذا ما جعل قطاع التعليم ببلادنا يعرج دائما دون أن يستقيم وهو شأن هذه السنة أيضا التي دامت فيها معاناة بعض التلاميذ مع كثرة الإضرابات فيما استمتع بها البعض الآخر كعطلِ وسط الأسبوع، لكن لا أحد منهم سيرضى بسماع مصطلح إسمه “السنة البيضاء” و أرى من وجهة نظر شخصية أنها لم تصل بعد إلى درجة البياض الناصع، فلنقل عنها إذن “سنة رمادية” فهي على الأقل لا تستوجب إعادة الموسم الدراسي في السنة القادمة.

نبذة عن:

ادريس ورزكن

ادريس ورزكن: من مواليد اكتوبر 1987 بعمالة طاطا جنوب المغرب. طالب بالسنة الثالثة بجامعة ابن زهر و متدرب بشعبة الالكتروميكانيك - اكادير . هوايتي المطالعة وكرة القدم.

عدد المقالات المنشورة: 18.

تابع جديد ادريس ورزكن: الخلاصات

تعليقات 5

  • بقلم عبد الهادي اطويل بتاريخ 31 مايو, 2011, 22:39

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
    لحد الساعة لم أقرأ إلا نادرا عمن تطرق إلى أصل المشكل، لم أقرأ إلا لمن يرون الأستاذ يقبع في بحر من العطل، لم أقرأ لمن يتطرق إلى ظروفه، وإأن أي تعليم أينما كان لا يمكن أن تقوم له قائمة إن لم يكرم الأستاذ..
    نحن في بلد لا نسمع فيه إلا التلميذ، مصلحة التلميذ، وأين هو الأستاذ؟ كيف تريد من أستاذ كاهله غارق في مشاكل الدنيا التي تعمدتها الحكومة بأن يبدع لك؟
    راقب كل الدول المتقدمة، واسأل فيها عن قيمة الأستاذ هناك، وعن الجزاء الذي يحصل عليه، واقرأ لكبار الدكاترة، أمثال طارق السويدان وغيره، لندرك جيدا أن هذا التعليم لا يمكنه أن يتقدم طالما المعلم مهمش..
    القاعدة واضحة: أوف الجزاء أولا، ثم راقب وحاسب… امنحني حقوقي ولا تجعل كاهلي غارقا في هموم الدنيا، بعدها لك أن تحاسبني كما يحلو لك إن أنا قصرت..
    للأسف الحكومة تعمدت أن تزرع هذا الأمر في عقول الشعب، وأمر يندى له الجبين أن نرى حتى المتعلمين يرون بتلك العين، وينسحبون عن الحقيقة..
    أتحدث من واقع تجربة، من واقع إنسان غيور على بلده، من واقع مدرس يعمل في الأرياف، وحالي أفضل حالا من غيري، وأسوأ حالا من غيري لأقول لك أخي: وهل ترى في مناهجنا وتعليمنا ما ينفع التلاميذ حتى لو درسناهم الدهر كله؟؟؟ المعلم أصلا بات بيدقا فقط، فالنجاح بنسبة، والرسوب بنسبة، ترى التلميذ من مصلحته أن يكرر لكنهم يقولون لك كلا، وترى آخر مستحقا للنجاح لكنه ربما مرض في امتحان غبي فيقولون لك كلا، وترى وترى..
    ترى المدارس المهترئة، ترى تلك البعيدة بعد السماء عن الأرض، ولا يتساءل الناس عن ظروف ذلك الأستاذ النفسية، أبدا لا يتساءلون عن ذلك.. ويا ليت ما يمنح له يعوض عنه.. يا ليت..
    يتحدثون عن العطل، وينسون أن ذلك الأستاذ هو الوحيد الذي يعمل يوم السبت، ولا يستريح فعليا إلا يوم الأحد، فإن قام من يدعي العطل للأستاذ بعد أيام عطله لخجل من نفسه، وكم من مرة قمنا بذلك فعليا مع من يدعون، وخجلوا..
    وكم من واحد ادعى الراحة لنا، فلما قادته الظروف لمراقبة التلاميذ فقط لساعة واحدة في القسم كاد أن يجن جنونه..
    بعد كل هذا يلوم الشعب المدرس..
    سوف أقولها وأختم: سوف نتقدم ونرتقي فقط حينما يدرك الشعب جيدا أن تعلم أطفاله لن يكون صحيحا إلا إذا تم تكريم الأستاذ، وكفى..
    أشكرك أخي على المقال، وعذرا على اللهجة التي ربما تبدو صارمة، سيما ونحن نعيش على واقع العنف الذي يطال رجال التعليم، وكأنهم رعاع القوم، وعلى أوضاع مزرية مستمرة…

  • عمر العياشي
    بقلم العياشي عمر بتاريخ 1 يونيو, 2011, 16:18

    أخي عبد الهادي بودي أن أتوجه إليك بسؤالين صريحين وبودي أن تجيبني بحق وبصدق .
    برأيك لو نهج أساتذتك الذين درسوك قديما ، للإضراب متسلسل ولغياب متكرر ولهدر دائم يجافي الأخلاق المهنية التي من المفروض ان يكون الفرد متشبعا بها،هل كنت ستكون في هذا المستوى؟ هل كنت ستصبح يوما أستاذ؟هل كنت ستحقق ما حققته اليوم؟
    سؤالي الثاني هل الوضعية المادية للمعلم قديما أفضل حالا و أرغد عيشاً من وضعية المعلم حاليا؟

  • بقلم عبد الهادي اطويل بتاريخ 4 يونيو, 2011, 13:52

    أخي الكريم عمر،
    مع كامل احترامي لك لكنني أراك وكأنك تعيش في زمن غير زمنك، أو بلد غير بلدك.. فأستاذ الأمس ليس هو أستاذ اليوم، ومنهاج الأمس ليس منهاج اليوم، وظروف الأمس ليست هي ظروف اليوم، وليس من جرب كمن سمع..
    بالأمس كان الأستاذ له قيمته وقدره من طرف الدولة، وكان بالمثل له قدره من طرف الشعب، ولم تكن أسعار المعيشة كما اليوم، حيث أصبح الرجل البدوي الأمي الجاهل الذي يزرع القنب الهندي أكبر قدرا بكثير من الأستاذ، بل ويهينه أيضا..
    هناك قاعدة ثابتة وكما أقول دائما: أوف الجزاء، ثم انتظر الإبداع.. وإن وقع تقصير فعاقب ولك الحق في ذلك..
    نعم يمكن أن نعمل بمثالية أفلاطونية لكن إن كان الكل سواء، إن كان الكل يعاني في بلد واحد وبقلب واحد فعلى الرحب والسعة، لكن ليس أن يعيش من يمتصوا دماءنا في رغد عيش، ثم يوهمون الشعب بأن الأستاذ وغيره المسؤولون عن التخلف وما إلى هنالك، ويأتي للأسف متعلمون يعيدون معهم رسم نفس السطر ليظهر، فيكون جهلهم أكبر..
    عد إلى المفركين أخي الذين سموا علما وتجارب عليك وعلي، لتعرف فعلا كيف يجب أن يكرم الأستاذ، وعد للدول المتقدمة، ودعك من دور المثالية، فكم تريد لهذا الأستاذ أن يصبر بحجة الأخلاق والمهنية؟
    إذا ما نسي نفسه، وعانى حياته كلها، ومرض ومات حتى، دون أن يتكلم، فهو نعم الأستاذ، لكن إن هو تحرك ونطق، وقال بصوت عال: لا وألف لا، حينها أصبح المضيع للتلاميذ.. أي عدل هذا؟
    أعرف أنك أخي عمر لن تقتنع مهما قلت لك، ومهما قرأتَ لمفكرين كبار عاشوا تجارب وجابوا العالم طولا وعرضا، بل ومهما رأيتَ بأم عينيك، كما إنني أعلم بأنني لن أقتنع بما تقوله، لأنني أؤمن وأدرك جيدا بأن التعليم وأي قطاع وظيفي ما كان ليتحسن أبدا إن لم تكن ظروف العاملين فيه تضمن لهم كرامتهم، وتسمح لهم بعيش كريم، حتى يتوجهوا إلى عملهم من دون مشاكل من الحياة اليومية تملأ رؤوسهم، ومن دون شعور بالظلم والحيف من طرف الأعلون، وبالتالي فكل ما يحصل من ارتباك في أي قطاع إنما تتحمل وزره الحكومة التي بيدها حل كل هذا، فيكفي أن تنقص من طنجراتها الكبيرة لقمات تعطيها للجياع المساكين، لتستقيم الحياة بشكل أفضل، ولو أن الواجب أن توزع اللقمات بالعدل، لا أن تمنح وتتصدق، لأن الوطن ملك الجميع، وليس ملكا لأحد..

  • بقلم إدريس ورزكن بتاريخ 15 يونيو, 2011, 17:48

    لم أكن محتقرا لدور المعلم أو الأستاذ يوما أو ملقيا عليه بالمسؤولية دون غيره، أخي عبد الهادي، إنما لو لاحظت ما كتبت جيدا لعلمت أنني أنقل إليك الوضع كتابة لتتضح عندك الصورة التي لا تخفى عليك، فالمثال الذي أوردته لم يكن مجازا شعريا أو صورة فنية عابرة ؛ بل حقيقة مرة يجب أن نتقبلها بصدر رحب. خاطئ من يعتقد أن فشل المنظومة التعليمية بهذه البلاد سببه قصور سياسة الوزارة المعنية و مخططاتها و برامجها فحسب ، بل الأمر يشمل كل منضو تحت لواء وزارة التربية و التعليم من أعلى الهرم إلى التلميذ مرورا بالمعلم ،بل و حتى المجتمع …فاستثناؤنا لرجال التعليم (كملاك منزل) حيف لباقي الأطياف في حد ذاته ، فالظروف القاسية و الأجرة الضعيفة( إن سلمنا بأنها ضعيفة) لا يمكن لها أن تلغي الضمير المهني لرجل التعليم و يبدأ بالإستهثار بأبناء الناس، و لو أخذنا بهذا المنطق لما كنا تعلمنا شيئا و لكال علينا آباؤنا و أجدادنا بنفس المكيال الذي تقوله، و هم الذين لم تكن أجرتهم الشهرية تبلغ نصف الأجرة الحالية، و يعانون أيضا من ويلات التهميش و سوء الوضعية من كل جانب ، لكنهم ( وهنا الفرق) يقولون بعين الحكمة : أنا مهمش و… وسأناضل و …و لكنني مادمت أدخل الفصل فضميري يحتم علي أن أقوم بواجبي في تعليم هؤلاء الصغار..ضميري لا يقبل بأن أجعل منهم ( الجوكير ) أو الورقة الرابحة التي أضغط بها على الحكومة ، …بل الضمير يقتضي أن نفتح ملفاتنا مع الوزارة وجها لوجه دون الإضرار بذلك التلميذ البئيس الذي لا ذنب له..
    أما الآن فكل رجال التعليم ينتمون لكل النقابات في آن واحد ، وما أن تشن نقابة معينة إضرابا حتى ينقطع الكل عن الدراسة و تشل الحركة بالمؤسسات التعليمية كأننا في حرب طارئة، في حين أنه كان بالإمكان متابعة التدريس بالموازاة مع أشكال النضال التي يخوضونها.
    ما أقوله أننا لا ننكر الأوضاع المزرية لرجال التعليم و لكن نحملهم جزءا من المسؤولية حسب موقعهم، و أوضاعهم لا يمكن أن تكون حجابا حتى لا ننظر إلى” خطاياهم” لأنه ليس منا أحد مستوية أوضاعه و رغم ذلك يعمل من موقعه بضمير مهني حي…و في نفس الوقت لا يجب أن نعمم الظاهرة ففي كل مجتمع يوجد الصالح و الطالح…
    شكرا على غيرتك ( المهدي الطويل)…

  • بقلم عبد الهادي اطويل بتاريخ 15 يونيو, 2011, 18:13

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
    معك من جديد أخوك عبد الهادي اطويل أخي إدريس (وليس المهدي للتوضيح وحسب).
    أولا أنا لم أجعل من المدرس ملاكا، كما لم أجعل منه شيطانا، بل أعلم يقينا أن من المدرسين من ليسوا أهلا ليكونوا مربين للأجيال، وكم شاهدنا من نماذج كانت معنا في مركز التكوين كنا نتساءل مع أنفسنا عن نجاحها لتولى مهمة التربية والتعليم، وهنا نتساءل: لماذا نجحت رغم الفضائح الأخلاقية التي كانت بادية للعيان؟ ومن المسؤول؟
    أما فيما يتعلق بقضية أجدادنا فربما لو قرأت ردي على أخي عمر لوجدت فيه ردا على سؤالك، وأنا من بين التلاميذ القدماء وأعرف حق المعرفة الوضعية آنذاك وقبلي، واليوم، ولازلت ولله الحمد على علاقة طيبة بين من درسوني، ونناقش الأمر أحيانا..
    أخي أقول لك: ليس من يعيش الأوضاع كمن يرى من الخارج ثم يحكم، وشتان بين التنظير والتطبيق..
    لست أدري كيف تريد من حكومة لم تكن منصفة طوال سنين، أو تصبح عادلة بدعوة للنقاش؟ وما أكثر دعوات النقاش التي تقابل بآذان صماء، وحتى النقابات التي تتحدث عنها باتت أبواقا للحكومة وحسب..
    ماذا تنتظر من حكومة حتى ولو امتنع الأستاذ عن العمل شهرا لا يهمها في ذلك شيء، هل مثل هكذا حكومة حريصة على مصلحة التلميذ أو المدرس معا؟
    وهل كل ما يحدث من إضرابات إنما هو حبا في الإضراب؟ هل من المعقول أن يكون كل هؤلاء من رجال التعليم أنذالا لهذه الدرجة؟؟
    الحكومة تجلب لنا مقررات الغرب، مقررات متطورة، لكنني دوما أتساءل: لماذا تتعامى عن وضعية الغرب في التعليم؟ لماذا لا تجلب لنا أيضا ظروف العمل والوضعية التي تكرم الأستاذ وتعطيه حق قدره؟ وفي ذلك حتما تكريم للتلميذ أيضا وللتعليم ككل؟ هل تتعامى عن ذلك إلى هذا الحد؟
    العقل والمنطق يقول: أوفي الجزاء أولا، ثم يحق لك أن تشدد العقاب..
    الأوضاع مزرية على مختلف الأصعدة، وليس التعليم فقط، بل على مستوى الوظيفة العمومية ككل، وعلى مستوى الشباب العاطل.. وحتما من دون التعليم فلن يكون هناك وعي، ولن يتحدث أحد عن حقه.. فلنهمش التعليم إذن!! وليس أفضل من تهميش المعلم، وجعله يذهب للعمل وعلى ظهره جبال من مشاكل الحياة اليومية، فيصبح عبدا..
    استغربت من عبارتك: “إن سلمنا بأنها ضعيفة”، هل تعتقد أن المعلم يتقاضى الملايين ولكنه يحب كل هذه التماطلات أم ماذا؟
    هل تعلم أخي بأن الغالبية الساحقة تعتقد أن هذا المدرس راتبه ضخم، ففي كل مرة تطلع لنا نشرات الأخبار (بزيادات) لهذه الفئة، ثم تضخم فيها إعلاميا، والناس تعب من كل ذلك، وفي كل مرة يسمع الناس عن إضرابات يتساءلون: أبعد كل هذه الزيادات يضربون؟؟
    وصلني من أخبار المناضلين ممن أهينوا في الرباط أن أحد رجال الأمن الذي كان هناك كان يقول لهم: كيف تتقاضون 6000 درهم شهريا وتضربون؟؟؟ فاستغرب رجال التعليم وقالوا له: من قال لك إننا نتقاضى 6000 درهم؟ فقال لهم هكذا يخبروننا، فقالوا له اسأل رجال التعليم ها هم أمامك.. فلما أخذ يسأل ويجد الغالبية تكاد لا يصل راتبهم 4000 درهم بعدما قضوا في العمل سنين عددا، اندهش.. هكذا تماما يحصل للرأي العام في المغرب، ولهذا أقول: حينما ينصف الشعب رجل التعليم، حينما يمكن للتعليم أن يتحسن.. وحتما حينها لن أجدك أخي إدريس تقول: “إن سلمنا بأنها ضعيفة”…
    طالما هناك من يتقاضى 30 مليون سنتيم شهريا دون الحوافز، ولا يتم التحدث عنهم مطلقا من طرف الشعب، ويتحدثون فقط عن هذا المدرس الذي لم أجعل منه ملاكا، طالما يحصل هذا، فاقرأ على مغربنا الحبيب السلام، والسلام…

هل لديك تعليق؟

  • هل تريد صورة مصغرة بجانب تعليقك؟ يمكنك ذلك من خلال التسجيل في خدمة Gravatar. كما يمكنك الاستئناس بهذا الشرح.
  • يرجى التعليق باللغة العربية الفصحى، وباسم مكتوب بأحرف عربية.
© 2017 مجلة القراء.
هذا الموقع يستعمل وورد بريس المعرب، تصميم وتركيب دنيا الأمل.