الصراع اليهودي – الإغريقي بالإسكندرية في عصر الرومان (الجزء 5)

الإمبراطور كلوديوس (41 – 54م):

تبؤ كلوديوس العرش خلفًا لابن أخيه كاليجولا، فاستبشر اليهود خيرًا، وطلبوا من أجريبينا التوسط لديه لحل مشاكلهم، ويقص علينا جوزيفوس أن الإمبراطور استجاب لمساعي صديقه، فبعث للإسكندرية منشورًا أعاد به امتيازات اليهود التي كانوا يتمتعون بها قبل استشراء الفتنة، جاء به: “أن اليهود الإسكندرين كانوا شركاء السكندريين الإغريق في سكنى المدينة منذ الأزمنة الغابرة…” وإن إنزال جايوس بجنونه أمة اليهود إلى الضرب الأسفل يعد غورًا (ظلمًا) لا يرضى عنه (كلوديوس). وبالتالي أوصى بألا يحرموا من حقوقهم لأي سبب، وأن يستمروا في مراعاة عاداتهم وتقاليدهم بحرية، وأنه قرر منح كافة رعاياه من يهود الإمبراطورية نفس حقوق بني جلدتهم بالإسكندرية. وأنه يحذرهم في كل مكان من الاستخفاف بمشاعر غيرهم من الوثنيين (الإغريق) الذين يعيشون بين ظهرانيهم.

ولكن إمعانًا في النكاية بالإغريق، جاء الملك أجريبا بنفسه للإسكندرية لقراءة المنشور في اجتماع رسمي،(1) وهنا تراءت لأبناء يعقوب أن الفرصة حانت للثأر من أبناء زيوس، ذلك أنهم وطوال أربعة أعوام ظلوا يجمعون السلاح احتساباً لتجديد النزاع، وإنهم استقدموا يهود من فلسطين دخلوا مصر متسللين لشد أذرهم ضد الإغريق.(2) وعندما علم الإمبراطور ببداية تجدد الأحداث أصدر أوامره لجوليو Jullio الوالي بقمع الفتنة بعنف قبل انتشارها. وفي خلال أيام هدأت الأحوال وبادر الفريقان إلى إرسال تهنئة، وقد كانت في ظاهرها تهنئة للإمبراطور لتولي العرش، وأما باطنها التماس مطلب محدد لكل منهما: إعادة البوليه Boule مجلس الشورى (الإغريق)، اكتساب البولينيا Politeia (اليهود).

على هذين المطلبين بعث كلوديوس رسالة إلى الإسكندرية قام الوالي بإذاعتها للسكان يوم 14 هاتور/ 10 نوفمبر من نفس العام، وهي الوثيقة المشهورة باسم “خطاب كلوديوس إلى السكندريين”، The Letter of Claudius to the City of the Alexandrians وينقسم هذا الخطاب لثلاثة أقسام، ويختص كل فريق بأحدهم، ويتعلق الأخير بمسألة تكريمه بالإلوهية.(3) ويجدر بنا قبل أن نناقش الخطاب أن نذكر بعض الفقرات التي تعنينا فيه:

“أما عن Boule فليس في وسعي أن أقول ما هي السنة التي درجتم عليها منذ عهد الملوك القدماء (الملوك البطالمة)، ولكنكم تعلمون جيدًا أنه لم يكن لديكم مجلس في عهد مَن سبقوني من الأباطرة (أوجسطس – جايوس)، وحيث أن ذلك الموضوع جديد يثار الآن لأول مرة ولا يتضح إذن ما كان سيعود بالفائدة على المدينة وحكومتي. وقد كتبت إلى الوالي إيميلوس ركتوس ليبحث المسألة، ويخبرني ما إذا كان من الضروري إنشائه وكيفية الوسيلة لإنشائه إذا تبين إنه ضروري، وأما عن المجموعة المسئولة عن حرب اليهود فعلى الرغم من أن سفرائكم ولاسيما ديونيسيوس ابن ثيون قد دافعوا دفاعًا مجيدًا إلا أنني لم أشأ أن أقوم بتحقيق دقيق مختزنًا في صدري سخطًا دفينًا على من يبدأ العدوان، وإنبائكم صراحة إنكم إن لم تتوقفوا عن تبادل العداء فسوف أضطر إلى أن أظهر لكم كيف يصير الحاكم الحكيم عندما يتملكه الغضب، ولهذا فإنني من ناحية أناشد السكندريين أن يظهروا روح التسامح والود لليهود الذي يعيشون في نفس المدينة منذ زمن طويل، ولا ينتهكوا شعائر عبادتهم الدينية، بل أن يدعوهم يمارسون تقاليدهم وأعرافهم التي اعتادوها منذ أيام أوغسطس المؤله والتي أقررتها أنا كذلك بعد أن سمعت أقوال الطرفين..

ومن ناحية أخرى فإنني أأمر اليهود صراحة بألا يضيعوا جهودهم في السعي وراء امتيازات أكثر مما حصلوا عليها من قبل، وألا يرسلوا بعد اليوم بوفدين وكأنهم يعيشون في مدينتين، فذاك أمر لم يحدث أبدًا من قبل، وألا يقحموا أنفسهم جيمازيوم gymnosium (مباريات معاهد التربية) بل عليهم الانتفاع بما في حوزتهم من امتيازات، والتمتع في مدينة ليست مدينتهم بوفرة من الخيرات، وعليهم ألا يستدعوا يهود ممن يفدون من سوريا أو مصر من خلال النهر، حتى لا يثيرون في نفسي الشك والريبة تجاههم، وإن لم يمتثلوا لانتقمن منهم بكل الوسائل لوصفهم قوم ينشرون الوباء في أنحاء المعمورة. وأما إن كف كل منكم عن هذه الأعمال، ورضي أن يعيش في تسامح مع الآخر، فسوف أهتم من جانبي اهتمام كبير بالمدينة التي تربطها بنا صداقة تقليدية قديمة”.(4)

النص يحمل في طيه العديد من النقاط التي نستشف منها ما يلي:(5)

أولاً: أن كلوديوس استعمل لهجة الرجاء مع الإغريق، وبعض المصادر تعتقد أنه كان يتملقهم ويحثهم أحيانًا على استعمال النخوة بألا يسيئوا إلى إخوان موسى الذين عاشوا بجانبهم قرون طويلة منذ الفتح المقدوني خلال عصر الملوك البطالمة، فهو يستحلفهم أن يغضوا الطرف عن اليهود تاركين إياهم يقيمون الطقوس حسب ناموسهم السماوي. وفي نفس الوقت يقطب جبينه لليهود مستخدمًا لهجة الأمر والنهي أملاً في أن يتوقفوا عن الخبث والدهاء الذي يستفزون به الإغريق مما يحطم أعصابهم. وربما يقول القائل أن العاهل لم يكن محايدًا بين الفريقين، ولكن إذا عرفنا أنه رفض أن يقام له تمثال بالإسكندرية مراعاة لشعور اليهود الذين قد يتهمونه بالانحياز للإغريق، فإننا نكون قد أخطائنا في الحكم على هذا الرجل.

ثانياً: التملص بلباقة من مطالب الإغريق بإنشاء مجلس الشورى Boule مدعيًا أن هذه المسألة تُطرح عليه لأول مرة، وأنه أوكل إلى الوالي إيميلوس راكتوس دراسة الموقف وكتابة تقرير وعرضه عليه، عما إذا كان من الممكن إعادة تأسيس المجلس المذكور، ولابد أن كلوديوس كان ماكرًا في معالجته لهذا الموضوع. فمن العسير تصور أنه كان يجهل أنه سبق وتقدموا بنفس المطلب لدى كل من أوجستس وربما تيبريوس وكاليجولا. ومن جهة أخرى؛ أن الإغريق لم يجول بخاطرهم شيء أخر سوى الـ Boule ولكن الإمبراطور تخلص من إلحاحهم وأدخلهم في متاهة لا يعرفون كنهها ولا كيانها، حيث أخذ يشير إلى الصلة الوسيطة التي تربط بين بعض أفراد البعثة مثل ارتميدورى، وليونيداى، وخايرموند بأسرة يوليوس كلوديوس.    

ثالثًا: إبداء الدهشة المشوبة بالاستياء منه بتوجيه اليهود بعثتين (وفدين) كما لو كانوا فئتين تقطنان جهتين مختلفتين من العالم. والباحثون يحتارون في تفسير تلك المعضلة، فمنهم مَن يعتقد أن المقصود بعثتي جايوس وكلوديوس وهو رأي غير صائب، ومنهم مَن يظن أن إحداهما تمثل المواطنين اليهود والأخرى لغير المواطنين منهم. ومنهم مَن يرى أن واحدة تختص باليهود الغلواء المتزمتين وأخرى المعتدلين المتحررين وهو الرأي الأصلح والأقرب إلى الصوب. وقد اتهم الإمبراطور اليهود بالطمع والتطفل والغيرة ونصحهم بأن يقنعوا بالامتيازات التي كفلتها لهم الإدارة الرومانية، فلا يلحون في تحريكها إلى حيز أوسع،(6) وألا يزجوا بأنفسهم في نشاطات تظاهروا دومًا باستهجانها والنظر لها باشمئزاز، وأنظرهم من محاولات محاكاتها. فقد وصفهم صراحةً بلفظ إبسبين Epispaiein ومعناه أن يحكم الإنسان نفسه، ومن المؤكد أن كلوديوس كان يعني أن عادات وتقاليد الإغريق تتنافى مع ما تنص عليه الوصايا العشر اليهودية، وبالتالي فإن “حشر اليهود أنفسهم في المرحلة التعليمية الأولى المسماة عند الإغريق Gymnasion كان لابد للأولاد أن يتم تدريبهم على الرياضة البدنية وهم عراة تمامًا، ومن هؤلاء التلاميذ الصغار كان يبرز الأطفال الرياضيون الكبار الذين يتنافسون في المهرجانات العالمية وهم أيضًا عراة تمامًا“.

الواقع أن هذه الرسالة تنم عن فطنة ولباقة دبلوماسية(7)، ولكنها لم ترضي اليهود لأنها قضت على أملهم في الحصول على المزيد من الامتيازات، ولم ترضي كذلك الإسكندريين لأنها أقرت لليهود حقوقهم وامتيازاتهم القديمة.

الآن يبدو واضحًا أن حجر الزاوية في هذه المرحلة كان حقوق المواطنة التي ثارت بشأنها جدلاً طويلاً، وهذا يجرنا إلى مناقشة النقطة الشائكة وهي، هل كان اليهود مواطنون سكندريون؟

_______________________________

(1) محمد السيد محمد عبد الغني، لمحات من تاريخ مصر تحت حكم الرومان.- الإسكندرية: المكتب الجامعي الحديث، 2001. ص 88.

(2) فاروق حافظ القاضي، المرجع السابق، ص 177.

(3) مصطفى العبادي، الإمبراطورية الرومانية: النظام الإمبراطوري ومصر الرومانية.- ط1.- الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية، 1999. ص 128.

(4) أنظر: نص خطاب كلوديوس إلى السكندريين. عبد اللطيف أحمد علي، المرجع السابق، ص 106 – 108.

Letter of the Emperor Claudius to the Alexandrians [ P. London 1912 ],from Select Papyri II [Loeb Classical Library].- ed. A.S.Hunt and G.C. Edgar,1934.  pp. 78-89, adapted available in 5 Aprial 2011 at: (http://www.csun.edu/~hcfll004/claualex.html).

(5) زينب توفيق، المحاضرات السابقة، (غير منشورة).

(6) فاروق حافظ القاضي، المرجع السابق، ص 180.

(7) عبد اللطيف أحمد علي، المرجع السابق، ص 157.

نبذة عن:

أشرف صالح

أشرف صالح، عضو هيئة التدريس بالجامعة الاسكندينافية (النرويج)، عضو إتحاد كُتاب الإنترنت العرب، عضو الجمعية المصرية للدراسات التاريخية، حاصل على درجة الماجستير في التاريخ من جامعة كارولينا الأمريكية، له عدد من المقالات والدراسات المنشورة في مواقع وصحف ومجالات محكمة وغير محكمة.

عدد المقالات المنشورة: 7.

تابع جديد أشرف صالح: الخلاصات

هل لديك تعليق؟

  • هل تريد صورة مصغرة بجانب تعليقك؟ يمكنك ذلك من خلال التسجيل في خدمة Gravatar. كما يمكنك الاستئناس بهذا الشرح.
  • يرجى التعليق باللغة العربية الفصحى، وباسم مكتوب بأحرف عربية.
© 2019 مجلة القراء.
هذا الموقع يستعمل وورد بريس المعرب، تصميم وتركيب دنيا الأمل.