الصراع اليهودي – الإغريقي بالإسكندرية في عصر الرومان (الجزء 4)

الإمبراطور جايوس “كاليجولا” (37 – 41م):

فجأة في صيف عام 38م أتيحت الفرصة لأبناء زيوس لينفثوا حقدهم في أبناء يعقوب، حدث ذلك عندما قرر الأمير أجريبا(1) Agrippa أن يمر بالإسكندرية في بداية شهر أغسطس وهو في طريقه من روما إلى فلسطين لتولى حكم مملكته،(2) وقد اندهش الإغريق لهذا الصعلوك الذي كان حتى الأمس لا يملك شَرْوَى نَقِيرٍ ثم أصبح ملكًا في لحظة. وساءهم الموكب الملكي الذي أعده اليهود لاستقباله ليشعرون الفريق العدو بما لهم من سند وظهر، فقرر هؤلاء بدورهم “الأغريق” أن ينكلوا باليهود في شخص ضيفهم، فأحضروا معتوهًا دميم الخلقة كان معروفًا باسم كراباسKarabas  وألبسوه تاجًا من لحاء البردي وعباءة من السجاد البالي، ووضعوا في يده صولجان من فرع شجرة، وطافوا به شوارع المدينة بلفظ “مارن” Marain أي “الملك”،(3) وبقدر ما كان الإغريق أشرار كانوا أيضًا دهاء، لأنه خشيةً من غضب الإمبراطور جايوس Gaius للإهانة التي لحقت بصديقه، فتفتق ذهنهم عن حيلة يوقعون بها بينه وبين اليهود.

وكانت وسيلتهم في هذا هي كاليجولا Caligoula نفسه، فمن المعروف أنه فرض على رعاياه ألوهيته(4) وتنصب تماثيله بجميع معابد الإمبراطورية (الإسكندرية ومصر) ونظرًا لأن اليهود إناس موحدون لا يؤمنون بغير الواحد الأحد إله آخر، فكان من المحال أن يعترفوا بجايوس رب أو يسمحوا بوضع تماثيل لأي بشر في أماكنهم المقدسة مهما جَل قدره ومهما علا شأنه. استغل الهيللينيون (الإغريق) ذلك وقاموا باقتحام المعابد اليهودية Synagoges عنوةً وزرعوا بها تماثيل الإمبراطور وعلقوا على جدرانها أيقونات Eikones وبالطبع استاء اليهود وعز عليهم انتهاك حرمة أماكن الصلاة، فلجئوا إلى الوالي فلاكوس Flaccus (والي مصر ومقره في الإسكندرية)(5) يشكون له، لكنه بدل من إنصافهم فضل الانحياز إلى الإغريق، لأن ذلك يقربه من سيده، فاتهم بعدم الولاء لروما وأصدر منشورًا يحدد فيه وضعهم الدستوري بالإسكندرية بوصفهم “جالية أجنبية دخيلة”.(6)

وأقام فلاكوس من نفسه قاضيًا يحكم وجعل من الهيللينين جلاد ينفذ، فطردوهم من مساكنهم في الأحياء الأخرى وحصروهم في الحي الرابع(7) Delta حيث نكلوا بهم ضربًا بالهروات ورجمًا بالحجارة، ودمروا متاجرهم ونهبوها، وفتشوا منازلهم ودكوها، وانتهكوا معابدهم وأحرقوها، ومنعوهم من الخروج للأسواق لتجويعهم، وكبلوا 38 شخص من كبرائهم Gerountes على باب المسرح وساطوهم، وساقوا فئة من النسوة إلى داخل المسرح ولقموهن قهرًا لحم الخنزير على مرأى من الجمهور المحتشد.(8) وهكذا؛ شفى الإغريق بعض غليلهم  بمشاهدة ألوان العذاب تنزل باليهود، بينما أصبح هؤلاء اليهود في حالة يرثى لها لدرجة أن أطفالهم كانوا يلتمسون في أكوام القمامة نفايات يسدون بها رمقهم ومثوى يأوون إليه للنوم.

وما أن انقشعت الذوبعة في أول سبتمبر حتى استرد اليهود وعيهم وقرروا آلا يستكينوا على الهوان الذي حاق بهم، فرفعوا مظلمة إلى جايوس عن طريق صديقه أجريبا أنحوا فيها باللائمة على فلاكوس الذي يشهد به فيلون فيقول: “إنه لعنة سلطت على بني قومي، كان حكمه إبان عهد تيبريوس (ثاني الأباطرة) يتسم بالكفاءة والنزاهة، لكن ذمته فسدت وباع نفسه رخيصًا لأعدائنا، كما باعها من قبل لأعداء الإمبراطور”. وهكذا؛ استيقظت الذكريات عند جايوس فقرر إحضاره مكبلاً إلى روما،(9) فيقول فيلون Philon أن ذلك حدث أثناء الاحتفال بعيد الهيكل بعد حوالي شهر من ميلاد الإمبراطور، الذي تعمد فلاكوس تعطيل برقية التهنئة التي أرسلها اليهود إلى جايوس في عيد ميلاده. وكانت هذه الليلة عاصفة من ليالي الشتاء عاني فيها فلاكوس من رحلة شاقة، وبعد محاكمته حُكم عليه بالنفي إلى جزيرة أندروس Andros وصودرت جميع ممتلكاته. وبين فيلون بطريقة مؤثرة الحالة النفسية لفلاكوس وهو في المنفي، ويقول أن شعور بالبؤس انتابه منذ وصوله وتشتت فكره وظل يناجي ذاته قائلاً: “بأن اللوم يقع عليه، وأن العقوبة التي قضى بها الإمبراطور هي حق”. وتأتي الخاتمة – كما يقول فيلون- عندما يقرر جايوس إعدامه لأنه رأى أن حياة المنفى تسير على ما يرام وكأنها لا تشكل عقاب، وتصف المقالة “ضد فلاكوس In Flaccus” الطريقة والوسيلة التي جرى بها تنفيذ الحكم، ويؤكد الكاتب أن “قدر الوالي أظهر بجلاء أن الله يرعى أمة اليهود”.

وفي خلال عام نظم كل من الفريقين بعثة تمثلهم أمام الإمبراطور، ولم يعترض الوالي الجديد بوليو Pollu فوصلت البعثتان إلى روما خريف 39م وظلتا في انتظار المقابلة السامية حتى صيف سنة 40م. ويحكي فيلون في مقالته التالية “السفارة إلى جايوس(10) Legatio Ad Gauim” عن المناقشات التي جرت حامية بين اليهود والوفد اليهودي برئاسته شخصيًا، وبين الوفد الإغريقي برئاسة أبيون Apion، وبين الإمبراطور، فكانوا يلاحقون الأخير صعودًا وهبوطًا على سلم القصر وهم يلهثون من الجري والكلام في وقت واحد.(11) الوفد الأول، لم يتعدى مطلبه بالحق في إقامة شعائرهم الدينية بحرية تامة، والاعتراف بوضعهم كمواطنين Politui متساويين في الحقوق المدنية IsoPoliteia بينما كان دافع الوفد الأخر، أو بالأحرى مهمته الرئيسية هي عرقلت حصول هؤلاء على حقوق المواطنة السكندرية، أو حتى الاعتراف بهم كـ سكندريون Alexandreis .

ويبدو أن الأقدار هي الأخرى كانت ضد بني يعقوب، فقد حدث – لسوء حظهم- أن يهود فلسطين في ذلك الوقت قاموا بتدمير مذبح أقامه الإغريق للإمبراطور في بلدة يامنيا Jamina فأصدر الإمبراطور أوامره لبترونويس Petronius والي سوريا، بأن يصنع تمثال ضخم له، ويتم تنصيبه ليس في معبد الإغريق، بل إلى جانب الهيكل داخل قدس الأقداس بمعبد سليمان في أورشليم.(12) ولم يكتفي بهذا بل حَمل يهود الإسكندرية وزر يهود فلسطين، فكان رده على مطالبهم أن حرمهم من كافة امتيازاتهم التي كانت لهم منذ عهد جده الأكبر أوغسطس، لأنهم على حد قوله “أناس كفرة لا تؤمنون بألوهيتي”.(13)

ولنا أن نتصور كيف تزمرت سفارة وابتهجت سفارة أبيون، فوجدتها فرصة لنيل مأربها، فوجه رئيس الوفد قوله للإمبراطور: “مولاي إن بغضك لهم قد يزداد إذا علمت أن رعياك قد قدموا لك القرابين، بينما اليهود لا يؤدون لك واجب الاحترام، لأنهم لا يركعون لغير الله”. ويستطرد فيلون أن اليهود لم ينالوا من مناقشتهم مع جايوس أي طائل وأنه أخيرًا قام بطردهم من حضرته(14)، فامتلئوا رعبًا عندما تصوروا ماذا عساه أن يحدث لو عادوا إلى الإسكندرية بخفي حنين حيث تكرر المأساة من جديد. وعلى الرغم من أن نهاية المقال مفقودة إلا أننا من السهل أن نستشف من بين السطور أن الخاتمة التي يمكن لفيلسوف عظيم مثل فيلون أن يضعها تكون على النحو التالي:(15) “إن إلهانا Yahveh (الله) قد أنقذ شعبه المختار من ذلك المأْفونٌ باغتياله في بداية عام 41م”(16)

________________

(1) حفيد هيرود الكبير، قضى شطرًا من حياته بالقصر الإمبراطوري في روما مع أبناء الأسرة المالكة، وفي فترة بدد ثروته بإسرافه وبذخه حتى أثقلت الديون كاهله، ففر للإسكندرية يلتمس المعونة من بني جلدته. ثم عاد لروما بعد سداد الديون وتحسنت أحواله ونال الحظوة لدى كاليجولا Caligula . وقد منحه الأخير حكم مملكة صغيرة على حدود بلاد يهوذا Judaea في فلسطين، وكان يمر بالإسكندرية ويرافقه حرس شخصي وهو في طريقه من روما إلى هناك. أحضر الإغريق معتوه ذميم الخلقة أسمه كراباس Karabas وألبسوه عباءة من السجاد البالي، وتاجًا من لحاء البردي، وصولجان من فرع شجرة. وطافوا به شوارع المدينة بلفظ مَارنْ .. مَارنْ أي الملك.

(2) راجع: Agrippa and Alexandria, 38 C.E
Daniel R. Schwartz, Agrippa I: the last king of Judaea.- Tubingen: Mohr, 1990. PP. 74 – 77 Sandra Gambetti, The Alexandrian Riots of 38 C.E. and the Persecution of the Jews: A Historical Reconstruction. Supplements to the Journal for the Study of Judaism 135. Leiden/Boston:  Brill, 2009. (Chapter Seven: Agrippa in Alexandria)

(3) أبو اليسر فرح، المرجع السابق، ص 177.

(4)  في 18 مارس سنة 37م ارتقى عرش الإمبراطورية جايوس قيصر المعروف بـ كاليجولا ابن جرمانيكوس. وقد اشتهر بأعماله الجنونية، وعرف عنه إسرافه في شهواته الجنسية وإغداقه الأموال على العاهرات، وأمر من ذلك أنه أرغم أخته دروسيلا على الطلاق من زوجها ثم عاشرها معاشرة الأزواج. وقد أصابته لوثة بعد وفاة أخته وأحب الناس إليه. وفضلاً عن حداثة سنه، فقد زينت له أوهامه أنه فوق البشر، فطالب رعاياه بتأليهه وإقامة تماثيله بمختلف المعابد، وبعد أن أظهر الخضوع لأعضاء مجلس الشورى Boule لم يلبث أن طالبهم أن يقبلوا قدميه تبجيلاً وتعظيمًا.

(5) افيليوس فلاكوس: عين واليًا على مصر بأمر الإمبراطور ثيديوس عام 32م. وقد أرسل كاليجولا Caligula إلى الإسكندرية قوة عسكرية تحت إمرة قائد سرية يدعى باتوس، وحرصت على أن تنزل الميناء ليلاً، واتجهت داخل المدينة لبيت قائد الجيش الروماني، وأبلغته بأمر القبض على الوالي. وبحثت عن فلاكوس في كل مكان وعرفت أنه مدعو في وليمة عند أحد أصدقائه فاقتحمت المكان وألقت القبض عليه، ونقل إلى روما مكبلاً في أكتوبر 38م.

H. Box, Philonis Alexandrini In Flaccum, London 1939 Philo of Alexandria, The Legatio ad Gaium, trans. with commentaries by E. Mary Smallwood .-Leiden, 1961.

(6) أبو اليسر فرح، المرجع السابق، ص 177.

(7) سيد احمد علي الناصري، المرجع السابق، ص 148.

(8) عبد اللطيف أحمد علي، المرجع السابق، ص 89.

(9) محمد السيد محمد عبد الغني، لمحات من تاريخ مصر تحت حكم الرومان.- الإسكندرية: المكتب الجامعي الحديث، 2001. ص 87.

(10) راجع:

Philo of Alexandria, The Legatio ad Gaium, /trans. with commentaries by E. Mary Smallwood.- Leiden, 1961. Available in 16 April 2011 at: (http://www.history.umd.edu/Faculty/BCooperman/NewCity/Gaius.html)

(11) محمد السيد محمد عبد الغني، لمحات من تاريخ مصر تحت حكم الرومان.- الإسكندرية: المكتب الجامعي الحديث، 2001. ص 87.

(12) الواقع أن بترونيوس رأى أن هذا الإجراء قد يدفع اليهود إلى الثورة، ومن ثَم تلكأ في تنفيذ هذا الأمر حتى أعفاه موت الإمبراطور من تنفيذه.

(13) أبو اليسر فرح، المرجع السابق، ص 187.

(14) خرج فيلون من هذه المقابلة وهو يقول: “إن يكن الإمبراطور ضدنا، فإن الله معنا”.

(15) زينب توفيق، المحاضرات السابقة،(غير منشورة).

(16) عن عمر يناهز التاسعة والعشرين، حيث سقط مدرجًا في دمائه من أثر طعنات الحرس الجمهوري الذي أهانهم الإمبراطور قبيل القيام برحلة إلى مصر، وقد أيدت باقي قوات الجيش اغتيال الإمبراطور.الموسوعة العربية العالمية، (نسخة إلكترونية).

نبذة عن:

أشرف صالح

أشرف صالح، عضو هيئة التدريس بالجامعة الاسكندينافية (النرويج)، عضو إتحاد كُتاب الإنترنت العرب، عضو الجمعية المصرية للدراسات التاريخية، حاصل على درجة الماجستير في التاريخ من جامعة كارولينا الأمريكية، له عدد من المقالات والدراسات المنشورة في مواقع وصحف ومجالات محكمة وغير محكمة.

عدد المقالات المنشورة: 7.

تابع جديد أشرف صالح: الخلاصات

هل لديك تعليق؟

  • هل تريد صورة مصغرة بجانب تعليقك؟ يمكنك ذلك من خلال التسجيل في خدمة Gravatar. كما يمكنك الاستئناس بهذا الشرح.
  • يرجى التعليق باللغة العربية الفصحى، وباسم مكتوب بأحرف عربية.
© 2019 مجلة القراء.
هذا الموقع يستعمل وورد بريس المعرب، تصميم وتركيب دنيا الأمل.