الصراع اليهودي – الإغريقي بالإسكندرية في عصر الرومان (الجزء 3)

الصراع اليهودي – الإغريقي

لاشك أن اليهود العبرانيين باستثناء الاضطهاد الذي نسبته الأسفار المشكوك في صحتها “Apokerepha” إلى الملك بطوليمايوس الرابع “فيلوباتوز”، قد نالوا الحظوة عند الملوك البطالمة بسبب التسامح الديني والعرقي الذي ساد في عصرهم، ورغم الدسائس والمؤامرات التي كانت تحاك في دهاليز القصور، والتي كان ينخرط فيها الإغريق واليهود لمؤازرة هذا الطرف أو ذلك من أفراد العائلة المالكة للوصول إلى العرش خلال القرنين الثاني والأول ق.م، رغم ذلك لم يكن هناك أثر لموجة العداء للسامية بالمعني العنصري أو العقائدي، بل كان يرجع إلى عوامل سياسية فتحت باب الكراهية بين الطائفتين بحيث لم يتعدوا التعبير عنه الجدل الشعري ومهاترات الأقلام. أما عصر الأباطرة؛ فقد كان من سوء حظ روما أنها اتصلت بحضارة أعرق من حضارتها وأرقى، ذلك أنها ابتليت بثلاث شعوب موهوبة (المصريون – الإغريق – اليهود) نشب الصراع بين اثنين منهم ووقف الثالث متفرج، وكانت النتيجة علامة واضحة خضبت بالدماء وجه التاريخ، ولا نظن أننا نجاوز الحقيقة إذا قلنا أن العامل الرئيس هذه المرة كان اجتماعيًا باحتًا.

أول الأباطرة أوكتافيوس أوغسطس (27 ق.م – 14م):

عندما فاق الإغريق السكندريون من الذهول الذي أصابهم من اللطمة التي كالها لهم أوكتافيوس Octavianus (أول الأباطرة الرومان)، وجدوا أن مدينتهم أُنزلت من عُليائها كعاصمة لمملكة مستقلة (البطالمة) وستغدو مجرد فصل تابع لروما أي جزء جغرافي خاضع له. وآية ذلك أن سياسة أوغسطس Augustus نحو مصر ولاسيما الإسكندرية كانت تتسم بالحزم، فقد عمل على تحطيم عناصر القوة فيها فلا تعود أبدًا إلى سابق مجدها مما يجعلها خطر جسيمًا يعجز الرومان عن درأه، أو على الأقل مصدر قلق لا ترضى عنه روما بحال.(1) كانت أولى خطوات الإمبراطور كي يشعر شعب مصر بكافة أجناسه بسطوة روما أنه وزع حامية عسكرية ضخمة خصص منها للإسكندرية فرقة كاملة(2) legio لتأمين السيادة الجديدة فيها. وكان من الممكن أن يكظم الهيللينيون غيظهم ويتقبلون الوضع الراهن، لو أن المسألة انتهت عند هذا الحد، ولكن الفاتح الروماني لن يكتفي بإذلال المدينة العتيدة التي تعلم الأمم قاطبة ما هو تراثها الثقافي ومركزها الحضاري، بل بدا وكأنه يتعمد أيضًا إذلال مواطنيها الإغريق.(3) ومع ذلك؛ فإن أوغسطس لم يكن بالسوء الذي ظنه هؤلاء(4)، فقد أثبت حسن نيته نحوهم بأن أقر لهم وضعهم الممتاز، إلا أنهم كانوا يشعرون تحت الحكم الروماني أنهم تقهقروا مثل مدينتهم للوراء فأصبحوا معها يقبعون في الدرجة الثانية وينهض على ذلك دليلاً أنهم أفسحوا مكانهم شاءوا أم رفضوا للوافدين الرومان الذين احتلوا قمة الهرم الطبقي، كما أن أوغسطس حرمهم من مجلسهم(5) Boule لأن وجوده على حد قوله يتعارض مع سلطة نائبه في الولاية، ومع أن هذا المجلس لم يكن مسئولية الإمبراطور، إلا أنه برفضه السماح له بتشكيله كان يعتبر في عرفهم المسئول عن تجريدهم من تلك الهيئة الدستورية التي تعتبر أهم مقومات نظام البولس Poleis. وكان سوء الختام أن شريعتهم نحو اليهود كانت الحسنى، فلم ينتقص من امتيازاتهم التي اكتسبوها من عصر أسلافهم (الملوك البطالمة) بل زاد عليه فقضى بحقهم في ممارسة حياتهم داخل جاليتهم Politeumake طبقًا لتقاليدهم، وصرح لهم بإقامة مجلس شيوخ(6) Gerousia على غرار المجلس الإغريقي الذي كان للسكندريين بنفس الاسم، وهكذا خلق لهم حيثية طمعوا بمقتضاها في المواطنة السكندرية المقصورة على الإغريق.(7) والخلاصة؛ أن هذه الضربات الثلاث القاسمة أوغرت صدور الإغريق على أول الأباطرة وضد خلفاؤه من بعده، فشرعوا يناءون موظفي الإدارة المركزية ويناصبون المواطنين الرومان العداء وينددون بأن الاستبداد هو طابع الحكم الإمبراطوري، فكانت نقمتهم على روما تجب بالضرورة على اليهود باعتبارهم “صنائعها النجساء”، فكانوا يجدون في صب جام غضبهم على اليهود متنفسًا لهم عن غضبهم على الرومان، فضلاً عن الهجوم على أولئك كان أسمى عاقبة لهم من الهجوم على هؤلاء. وإذا كان العصر الروماني قد مرت بدايته بسلام(عصر أوغسطس تيبيريوس)، فإنه كان على وجه العموم يحمل في طياته لليهود مائة عام من المحن تجسدت في سلاسل من الاضطهادات العنصرية والمذابح الطائفية تتخللها فترات سكون.(8)

الإمبراطور تيبيريوس (14 – 37م):

كان تيبيريوس –ابن أوغسطس بالتبني- في السادسة والخمسين من عمره حين تولى العرش، وكان أقرب إلى التعاسة منه إلى السعادة،(9) فقد قست عليه الحياة في أحوال كثيرة. وفيما يتعلق بإدارة شئون الولايات، عرف عنه الحزم مع الولاة وتشدده في محاسبة جباة الضرائب، كما حسن نظام تحصيل الضرائب الأصلية في الولايات حتى راحت أكداس الذهب تتدفق على روما.(10)

وتشير الدلائل إلى أن الأمن الداخلي في ولاية مصر ظل مستتبًا حتى أواخر أيام حكم تيبيريوس، حيث قرر في عام 23م سحب فرقة من الفرق الرومانية الثلاث التي كان أوغسطس قد وضعها في مصر،(11) غير أن هناك ما يشير إلى أنه في أواخر عهد تيبيريوس لاحت في الأفق نذر اضطرابات متوقعة في مصر. يتضح ذلك من وثيقة بردية تضمنت أمرًا أو منشورًا أصدره والي مصر أفيليوس فلاكوس يحظر فيه على الأهالي حمل السلاح أو إحرازه، وينذر المخالفين بعقوبة الإعدام،(12) فإذا ربطنا بين هذه الوثيقة البردية وحديث الكاتب اليهودي فيلون عن تحامل الوالي على اليهود وقيامه بتفتيش منازلهم بحثًا عما قد يكون بها من سلاح دون أن يجد شيئًا، في حين وجد الكثير من السلاح المخبئ في منازل المصريين، استطعنا أن نفهم أن الاضطرابات المتوقعة ذات صلة بالوضع المتوتر في الإسكندرية بين اليهود والمواطنين السكندريين منذ ببداية الحكم الروماني، وهو وضع لم يلبث أن انفجر في أحداث عنف دامية بين الفريقين بعد موت تيبيريوس،(13) الذي كان أجدر حاكم للإمبراطورية الرومانية على وجه الإطلاق.(14)

_________________________

(1) عبد اللطيف أحمد علي، مصر والإمبراطورية الرومانية في ضوء الأوراق البردية.- طبعة مُنقحة.- بيروت: دار النهضة العربية، 1988. ص 83.

(2) عند ضاحية نيقوبوليس، وعدد أفراد الفرقة 6000 فرد.

(3) محمود إبراهيم السعدني، تاريخ مصر في عصري البطالمة والرومان: موضوعات مختارة.- القاهرة: مكتبة الأنجلو، 2000. ص 172.

(4) راجع: قيصر أكتافيوس/ إصلاح حكم الولايات: مصر سيد احمد علي الناصري، تاريخ الإمبراطورية الرومانية: السياسي والحضاري.- الطبعة الثانية مُنقحة ومزودة.- القاهرة: دار النهضة العربية، 1991. ص 57 – 67.

(5) أبو اليسر فرح، تاريخ مصر في عصري البطالمة والرومان.- الطبعة الأولى.- الجيزة: عين للدراسات والبحوث، 2002. ص 162.

(6) مصطفى كمال عبد العليم، اليهود في مصر في عصري البطالمة والرومان.- الطبعة الأولى.- القاهرة: مكتبة القاهرة الحديثة، 1968. ص 144.

(7) عبد اللطيف أحمد علي، المرجع السابق، ص 84 – 85.

(8) زينب توفيق، محاضرات في جزء من تاريخ اليهود / ألقيت في قسم التاريخ، كلية الآداب.- القاهرة: جامعة عين شمس، (فبراير – أبريل) 1998. (غير منشورة).

(9) أشرف صالح محمد  سيد، تيبيريوس: ثاني الأباطرة الرومان.- بيروت: شركة الكتاب العربي الإلكتروني، 2008. ص 33.

(10) عبد الرحمن الرافعي، تاريخ الحركة القومية في مصر القديمة من فجر التاريخ إلى الفتح العربي.- ط2.- القاهرة: دار المعارف، 1989. ص 183.

(11) رستوفتزف، تاريخ الإمبراطورية الرومانية الاجتماعي والاقتصادي/ ترجمة زكي علي، محمد سليم سالم.- ط2.- القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، 1957. ص 124.

(12) وذلك خوفًا من ثورتهم (فيكتور شابو، مصر الرومانية) على أن سكان الإسكندرية أظهروا حنقهم على اليهود عملاء الاستعمار الروماني. الرافعي، المرجع السابق، ص 184.

(13) فاروق حافظ القاضي، المرجع السابق، ص 168 – 169.

(14) أشرف صالح، “الملامح الشخصية لأجدر حاكم للإمبراطورية الرومانية”، موسوعة دهشة: قسم تاريخ أوربا.- منشور بتاريخ 31 مارس 2008.- متاح على الرابط: (http://www.dahsha.com)

نبذة عن:

أشرف صالح

أشرف صالح، عضو هيئة التدريس بالجامعة الاسكندينافية (النرويج)، عضو إتحاد كُتاب الإنترنت العرب، عضو الجمعية المصرية للدراسات التاريخية، حاصل على درجة الماجستير في التاريخ من جامعة كارولينا الأمريكية، له عدد من المقالات والدراسات المنشورة في مواقع وصحف ومجالات محكمة وغير محكمة.

عدد المقالات المنشورة: 7.

تابع جديد أشرف صالح: الخلاصات

هل لديك تعليق؟

  • هل تريد صورة مصغرة بجانب تعليقك؟ يمكنك ذلك من خلال التسجيل في خدمة Gravatar. كما يمكنك الاستئناس بهذا الشرح.
  • يرجى التعليق باللغة العربية الفصحى، وباسم مكتوب بأحرف عربية.
© 2019 مجلة القراء.
هذا الموقع يستعمل وورد بريس المعرب، تصميم وتركيب دنيا الأمل.