ملاذ من لا ملاذ له (تتمة)

… تقدمت نحو باب الكلية فراعني حشد كبير من المتجمهرين، جلت ببصري في المكان بحثا عن أسئلة عويصة احتلت مخيلتي، فرأيت عشرات من سيارات الأمن والقوات المساعدة مصطفة في الجهة المقابلة… تعجبت من ذلك كله ومن هذا اللغط الشديد الذي يهز جنبات الكلية، وراح عقلي ساحة لألوف أجوبة محتملة لما يحدث قبل أن أستفيق على وقع أقدام تركض هنا وهناك… من يدخل مسرعا أو يخرج هاربا أو يتسلق الجذار…

أردت أن أسال أحدا منهم لكن لا أحد يحفل بي، ولما رأيت أصحاب العصي قادمين أدركت أنهم مصدر القلق، فبدأت أركض مع الراكضين… حاولت أن استدير لمعرفة ما يجري، بيد أن عصا غليظة امتدت إلي بجنون و كادت تبطش براسي، لولا أن هرولت مبتعدا من هذا الشرطي المتجبر، فجريت مسرعا لا ألوي على شيء… عدت إلى حيث انطلقت بعد أن كان أوار تلك المعركة قد خبا.. ولما اطمأننت إلى ذلك دخلت لاستكشاف هذا العالم المضني وبدا لي كمتاهة أخفق مهندسها في ترجمتها إلى كلية بالمعنى الصحيح…

تقدمت أمتارا فاستوقفني طابور لا نهاية له من الطلبة، مدججين و صائحين بشعارات لم أعد أذكر منها شيئا، يتقدمون بين ردهات الكلية كقطار بطيء يخترق الأنفاق… سألت واحدا منهم فجذبني إلى محاضرة طويلة لم أفهم منها شيئا فاستأذنته وانصرفت.. سرت بين المدرجات فلمحت الطلبة ينسلون منها خارجين بضجيج لم أعهده في الاقسام الإبتدائية، فعلمت أنها السادسة قد دقت وعدت أدراجي أتعجب من منظر قل أن يجول بذهن من لم يلج الكلية بعد…

أسير هدجا متثاقلا وراء كتل بشرية قد تكدست عند الباب… من يرى المكان من بعيد يمكن أن تجول في رأسه كل الاحتمالات عدا أن يكون المكان كلية، أو يكون ذلك الحشد الكبيرمن الناس طلبة…

أسير في اتجاه النقل المدرسي أخيرا أو (السكولير) كما يسمونه و قد تملكني شعور بالإطمئنان، فأن تفك أغلالك من (الفانتيان) رغم الخسارة أمر يبعث على الإرتياح… غير أن حدسي كان خاطئا لما لاحظت ازدحاما رهيبا و قتالا شرسا لولوج دواخل الحافلة، رأيت ذلك فذكرني بسويعات خلت عندما انغمست في (الفانتيان) أقاوم الضغط و الإزدخام و أحاول أن أنسل و أنجو بنفسي من هذا الإكتظاظ المهول، فأدركت أنه لا مناص لي من إعادة الكرة، لكنني تمهلت قليلا و أخذت أنظر إلى الكم الهائل من الطلبة وإلى تلك الحفيلات المهترئة التي يسمع ضجيجها من بعيد…. وبين كل هذا و ذاك يبدو المشهد مألوفا طالما أن لا أحد ضجر من ذلك أو تأفف…

أسمع صوت الحافلة متأهبا للمغادرة فأسارع إلى حشد نفسي مع تلك الكتل المكتلة من الطلبة، لأكون في موعد آخر مع معركة ضارية أخرى ضد الإزدحام… ضد الطلبة… ضد السخونة المفرطة التي لم يجدي معها فتح تلك النافذة الصغيرة في شيء.. المهم أن الحافلة استطاعت لم شمل هؤلاء المصطفين على الرصيف الذين يبدون – مع بداية سدول الليل- كالجماعات التي تنتظر القوارب فجرا للهجرة السرية…

تنطلق بنا الحافلة وفي الإنطلاقة بداية لحكاية شد وجذب وسقوط و اعتدال.. اذ لا تكاد تقطع أمتارا حتى تهتز من مكانك اهتزازا عنيفا لا ترغب بعده في ركوب الحافلة أبدا لسوء حالتها الميكانيكي، فما أن تمر فوق حفرة من الحفر التي تملأ طرقنا الجميلة حتى ترى الناس يتطايرون و يشد بعضهم في تلابيب بعض، ومن لم يسعفه الحظ فإنه يصطدم مع أول شيء يصادف…

تلك هي أحوال هذا الشبح الأزرق الذي يصلح لكل شيء عدا أن ينقل الطلبة أربع مرات في اليوم و لسنة كاملة… في كل ذلك أقف مشدوها متحملا على مضض كل تلك المتاعب، آملا أن توصلنا الحافلة في أسرع وقت ممكن لأتخلص من هذا الكابوس المزعج الذي استيقظت به وأمسيت عليه…

في طريقنا تشرئب إلينا الأعناق، ويتطلع إلينا الكثير من المارة حين نمر بجانبهم، فترى منهم من يسد أنفه إتقاءا لدخان الحافلة الكثيف، ومن يستوقفه ذلك يتأمل اوضاع الطلبة المزرية… ومنهم من يقف مشدوها دون أن يفهم شيئا، و الكثير منهم يضرب أخماسه في أسداسه كلما رأى الطلبة متدليين من الباب الخلفي للحافلة… ومنهم من يضحك من سخرية المشهد الهزيل (وشر البلية ما يضحك)… ومنهم من يرانا فيتذكر متطوعو المسيرة الخضراء وهم محتشدون فوق الشاحنات فتضحكه المقارنة، أو ربما نلنا منه تعليقات ساخنة…

أصل أخيرا… وأكلف نفسي عناء المشي إلى البيت وقد نال مني العياء ما نال وأخذ مني الإرهاق كل مأخذ… فأدخل الى بيتي وأحس أني أنجذب إلى الفراش كقطعة حديدية توشك أن تلتصق بالمغناطيس.. لأجد نفسي أغظ في نوم عميق لا أريد عنه بديلا حتى الصباح… حيث سابدأ صفحة أخرى من صفحات كتاب الكلية والحافلة…

نبذة عن:

ادريس ورزكن

ادريس ورزكن: من مواليد اكتوبر 1987 بعمالة طاطا جنوب المغرب. طالب بالسنة الثالثة بجامعة ابن زهر و متدرب بشعبة الالكتروميكانيك - اكادير . هوايتي المطالعة وكرة القدم.

عدد المقالات المنشورة: 18.

تابع جديد ادريس ورزكن: الخلاصات

تعليقان 2

  • محمد حادين
    بقلم حادين محمد بتاريخ 3 يوليو, 2010, 12:04

    قصة جميلة تكشف معانات الطالب المغربي

  • بقلم ادريس ورزكن بتاريخ 3 يوليو, 2010, 13:34

    أشكرك على اطلالتك المشرفة
    دمت بألف خير

هل لديك تعليق؟

  • هل تريد صورة مصغرة بجانب تعليقك؟ يمكنك ذلك من خلال التسجيل في خدمة Gravatar. كما يمكنك الاستئناس بهذا الشرح.
  • يرجى التعليق باللغة العربية الفصحى، وباسم مكتوب بأحرف عربية.
© 2019 مجلة القراء.
هذا الموقع يستعمل وورد بريس المعرب، تصميم وتركيب دنيا الأمل.